فهرس الكتاب

الصفحة 270 من 360

وحي {إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى} "النجم/4"، وهو استئنافٌ بيانيٌ لجملة {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى} "النجم / 3"؛ كأنه قيل بعد نفي الضلال، والغواية، ونفي النطق عن الهوى: فما هو الإثبات؟ ماذا هو كائنٌ إن لم يكن مفترىً، أو سحرًا، أو اختلاقًا، أو أساطير الأولين ... ؟ فقال: {إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى} ، فالضمير في {هُوَ} عائدٌ إلى المنطوق به المأخوذ من فعل ينطق كما في قوله - عز وجل - {اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} أي العدل المأخوذ من فعل {اعْدِلُوا} [1] ، ووضح الشوكاني -رحمه الله تعالى- ذلك بقوله:" {يُوحَى} صفةٌ لـ {وَحْيٌ} تفيد الاستمرار التجددي، وتفيد نفي المجاز، أي هو وحيٌ حقيقةٌ لا مجرد التسمية" [2] .

وقد حدث نوعُ تكرارٍ هاهنا لما سبق في رقم (3) من المطلب الأول، فإنما ارتكب ذلك للأهمية ... على أن المكرر هو فحوى الفكرة، لا تفصيلها.

ثانيًا: دفع تهمة التخيل بتأثير الجنون:

شهادة الخصم للرسول - صلى الله عليه وسلم - كافيةٌ لدحض هذه التهمة: حيث قال - عز وجل - نافيًا لهذه التهمة {وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ} "التكوير /22": ففي التعرض لعنوان الصحبة مضافةً إلى ضميرهم تكذيب لهم بألطف وجه؛ إذ هو إيماءٌ إلى أنه - صلى الله عليه وسلم - نشأ بين أظهرهم من ابتداء أمره إلى الآن، فأنتم أعرف به، وبأنه - صلى الله عليه وسلم - أتم الخلق عقلًا، وأرجحهم قيلًا، وأكملهم وصفًا، وأصفاهم ذهنًا، فلا يسند إليه الجنون إلا من رُكِّبَ من الحمق والجنون، وبهذا أبطل قولهم إبطالًا مؤكدًا ومؤيدًا، فتأكيده بالقسم وزيادة الباء بعد النفي، وتأييده بما أومأ الله - سبحانه وتعالى - إليه، ووصفه بأنَّ الذي بلَّغه صاحبُهم - صلى الله عليه وسلم -، والصاحب حقيقته ذو الصحبة، وهي الملازمة في أحوال التجمع والانفراد للمؤانسة، والموافقة، ومنه قيل للزوج: صاحبة، وللمسافر مع غيره: صاحب ... وقد يتوسعون في إطلاقه

(1) كما في التحرير والتنوير 26/ 94، مرجع سابق.

(2) انظر: الشوكاني5/ 130، مرجع سابق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت