فالأول وهو الطارئ غير المتعمد فليس إلا الجنون، أو الضلال في التفكير، فأما الجنون فهو ما قالوه {مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ} "الدخان /14"نفاه الله - سبحانه وتعالى - عنه في سورة التكوير، ويأتي ذكره بأكثر من هذا بعد قليل [1] ، وأما الضلال في التفكير فنفاه عنه في سورة النجم؛ إذ قال: {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ} ، وبينهما تقارب؛ لأن المجنون لا يهتدي إلى وسائل الصواب، وهو معنى {ضَلَّ} ،
والثاني وهو الطارئ المتعمد: فإما أن يكون الشعر؛ كما قالوا {أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ} "الطور /30"، وإما أن يكون السحر؛ كما قالوا {إن هذا إلا سحر يؤثر} "المدثر /24"، وإما أن يكون الكذب؛ كما قالوا {إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلاَقٌ} "ص /7"، وكلها زعمه المشركون المبطلون في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنفاها الله - سبحانه وتعالى - صراحةً على وجه الخصوص في غير ما موضع كما قال - عز وجل - {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (40) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (41) وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} "الحاقة /40 - 42"، وعلى وجه العموم بإرجاعها إلى أصلها؛ إذ السحر والكذب ضلالٌ وغوايةٌ فنفاه في سورة النجم، والشعر المتعارف بينهم غواية كما قال - عز وجل - {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمْ الْغَاوُونَ} "الشعراء / 224"أي يحبذون أقوالهم لأنها غواية [2] ... فقد نفى عمومًا وخصوصًا، وشرد بهم آراءهم، وقَذْفَ الشياطين في عقولهم.
ثم دحض أساس المتعمد بأنواعه بالتزكية له ولما ينطق به، فقال: {وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى} "النجم/3"؛ فإن المراد استمرار نفي النطق لا نفي استمرار النطق [3] ، وهنا نأخذ صراحة التوقيف في القراءة؛ فقد قال قتادة -رحمه الله تعالى- في معناها:"أي ما ينطق بالقراءة عن هواه" [4] .
والهوى ميل النفس إلى ما تحبه أو تحب أن تفعله دون أن تقتضيه العقل السليم ... ونفى النطق عن هوىً يقتضي نفي جنس ما ينطق به عن
(1) انظر ص 260 من هذه الدراسة.
(2) انظر: التحرير والتنوير 26/ 93، مرجع سابق.
(3) انظر: تفسير أبي السعود 5/ 218، مرجع سابق.
(4) انظر: الشوكاني5/ 130، مرجع سابق.