والتأني يقتضي إشباع الحركات كما سبق في كلام الزمخشري آنفًا، وفي التحرير والتنوير:"وأُريد بترتيل القرآن: ترتيل قراءته، أي التمهل في النطق بحروف القرآن حتى تخرج من الفم واضحةً، مع إشباع الحركات التي تستحق الإشباع" [1] .
وقال ابن حجر-رحمه الله تعالى- في حديث المعالجة [2] :"وشاهد الترجمة منه: النهي عن تعجيله بالتلاوة؛ فإنه يقتضي استحباب التأني فيه، وهو المناسب للترتيل" [3] .
وتذكر حفصة -رضي الله تعالى عنها-الصورة التطبيقية لهذا التأني في قولها: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يرتل السورة حتى تكون أطول من أطول منها، ويزيد هذا إيضاحًا حديث أبي وائل قال: غدونا على عبد الله فقال رجل: قرأت المفصل البارحة فقال: (هذًّا كهذ الشِعر؟، إنا قد سمعنا القراءة، وإني لأحفظ القرناء التي كان يقرأ بهن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثماني عشرة سورة من المفصل، وسورتين من آل حم) [4] .
وإنما قال: (هذًّا كهذ الشِعر) ؛ لأنهم كانوا إذا أنشدوا القصيدة، أسرعوا ليظهر ميزان بحرها، وتتعاقب قوافيها على الأسماع، والهذ: إسراع القطع [5] .
فإذا حُلِلَ هذا الكلام مليًا من حيث تعريف الترتيل اللغوي، ومتضَمَّناته في الاستعمال العرفي حتى يتم الوصول إلى تقريبٍ لمقدار هذه التؤدة، وضبطٍ لذاك التمهل [6] ؛ إذ غير خافٍ أن إنشاد الشعر في المحافل عادةً لا يخلو من ترتيبٍ وتفاعلٍ بين المعنى والمبنى، وتريثٍ مع إسراعٍ يُعْرَفُ عند سماع الشعر، كما لا يخلو من نوع محاولة إلصاقٍ بآخر البيت لتتناغم أوزانها وكلماتها، وذاك حالةٌ بين السرعة المفرطة المُشَبَّهةِ بقراءة نشرات الأخبار، أو إلقاء خطب المنابر المُهَيِّجةِ للسامع، وبين الإبطاء
(1) التحرير والتنوير 29/ 316، مرجع سابق.
(2) انظر: المبحث السادس من هذا الفصل.
(3) فتح الباري شرح صحيح البخاري 9/ 90، مرجع سابق.
(4) صحيح البخاري 4/ 1924، مرجع سابق.
(5) التحرير والتنوير 29/ 316، مرجع سابق.
(6) وليس في تفاوت ضبط ذلك حجةٌ لمنكر التواتر في الأداء، إذ أصل الأداء كالمد مثلًا: ثابتٌ عند عامة المسلمين، فضلًا عن عامة القراء، وهو ما يدور الكلام حوله، أما مراتبه فقد يُسَلَّم بالنظر في تواترها، ولا ضير في ذلك.