الممل ... فإذا كان هذا الإلقاء للشعر مذمومًا، وهو بهذه المنزلة غير المتعجَلة الإلقاء نسبيًا من حيث واقعُه، ظهر أن ترتيل القرآن الكريم يستلزم تأنيًا أكثر، وتؤدةٌ أعظم، ومحاولة إظهارٍ للمبنى أجمل، تتكفل بإبداءٍ للمعنى أكمل، لا على حسابه كما هو معلوم، من غير مبالاة بإدراك نهايات الآيات، وخواتيم السور ... وهذا الضبط لتلك التؤدة هو ما تسمعه من مهرة القراء في عصرنا كما في كل عصر، وهو ما عليه غالب حال المسلمين حتى الأميين منهم الذين لا يعرفون إلا بعض آيات يرددونها، فإنه يظهر تغير طريقة قراءتهم، ونبرات صوتهم إن كانت للقرآن الكريم [1] .
وليضبط هذا التأني من الجهة المقابلة: إذ إن الاهتمام باللفظ على حساب المعنى، أو الغلو في التؤدة، أو الإفراط في التغني بالقرآن مدًا، وابتداء، ووقفًا ... يضاد غاية الترتيل، ويصبح اللفظ غاية بعد أن كان وسيلة، ويكون القرآن كتابًا للاستمتاع الموسيقي المجرد فحسب، وهو كتاب الهداية ... فلا يَرِدُ على ما قُرِّرَ آنفًا ما انحدر إليه بعض متزعمي الإقراء، ومتصدريه في هذا الباب.
فإن اعتُرض بأن الرابط بين ما يرومه هذا المبحث من بيان متعلقات تعليم جبريل - عليه السلام - للنبي - صلى الله عليه وسلم - من حيث اللفظ وبين موضوع الترتيل غير واضح، ولا نص صريح في علاقة جبريل - عليه السلام - بالترتيل؟.
فالجواب: كان الأمر بالترتيل مبكرًا على سنن نزول الوحي، فقد كان جملة ما نزل من القرآن حين نزول أوائل سورة المزمل سورتين أو ثلاث على أصح الأقوال [2] ، ويشير قوله - سبحانه وتعالى - فيها {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا} "المزمل/4" [3] إلى أن القرآن بادئ بالنزول، وهذه بدايةٌ إضافية لا حقيقية أوجب تقريرها الكثرة الكاثرة لما سينزل من الوحي بعدها مقارنة بما سبق ... ولما كان جبريل - عليه السلام - هو المقرئ لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما ينزل من القرآن، كما أنه الذي يعارضه به تعاهدًا، ومراجعة، وتثبيتًا،
(1) وهذا من أعظم أدلة التواتر، وهو ظاهرةٌ ليست بغريبة على المناهج المعرفية لدى المسلمين تدل على مقدار الحفظ الإلهي للكتاب الكريم.
(2) انظر: الإتقان 1/ 20، مرجع سابق.
(3) والقول الثقيل هو القرآن كما تقرر عند أئمة التفسير، انظر: التحرير والتنوير 29/ 260، مرجع سابق.