وفي تقديرنا أن دعاء الرسول صلى الله عليه و سلم لعبد الله بن عباس رضي الله عنهما بأن يفقهه الله في الدين ويعلمه التأويل، فأصبح ببركة دعائه صلى الله عليه و سلم وتوجيهه حبر الأمة وفقيه الصحابة، ليكون ذلك قدوة ووجهة لكل مسلم. فإن الفقه في الدين، فيما نلمحه من هذا الدعاء، يعني الفقه الشامل لكل جوانب الحياة شمول الدين نفسه، وأن الجزء الثاني من الدعاء: (وعلمه التأويل) ، ليس المقصود بالتأويل هنا التفسير والبيان والاستنباط فقط، وإنما الفقه الاجتماعي والحضاري الذي يدرك السنن الفاعلة في الحياة وتحولاتها الاجتماعية وقانون الحركة الاجتماعية والتاريخية، ويبصر بالمآلات والعواقب والنتائج، التي توصل إليها المقدمات: (وعلمه التأويل) .
فالحياة ليست عبثًا، وإنما هي خاضعة لسنن لا بد من إدراكها ومعرفة مدى إمكانية الإنسان المداخلة فيها، ومدافعة سنة بسنة.. والذي لا يدرك السنن ولا يقدر التداعيات ولا يبصر العواقب والتأويل (المآل) ، فمن أين له الفقه، ولو حفظ جميع المتون، فإنه لا يخرج عن أن يكون أحد الكتب أو الموسوعات، أو (الكاسيتات) بالتعبير المعاصر.
إن العلم بالعواقب والمآلات وتقدير التداعيات واستيعاب السنن الفاعلة، هو الفقه الحقيقي الغائب اليوم بالأقدار المطلوبة عن حياة المسلمين الفكرية والثقافية، أو ما يمكن أن نطلق عليه بالفقه الحضاري أو الفكر الاستراتيجي.
إن اقتصار مفهوم الفقه على المدلول الاصطلاحي (الفقه التشريعي) ، أدى إلى اختزال آيات القرآن والاقتصار على آيات وأحاديث الأحكام، دون سواها من سائر القرآن، وكأن بقية الآيات إنما تنزلت للتبرك ولا أحكام فيها، وبذلك غابت الكثير من الجوانب الحياتية عن مجال الفقه، أو غاب الفقه عنها، ومن أخطرها الفقه الاجتماعي والتربوي، أو فقه السقوط والنهوض، أو ما يمكن نطلق عليه: فقه السنن.