فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 105

لذلك نرى غلبة المدلول الاصطلاحي على الاستدلال في بعض الآيات القرآنية التي يمكن أن تكون واضحة الدلالة والسياق في المجال الاجتماعي، مثل قوله تعالى: (...فاعتبروا يا أولي الأبصار ) (الحشر:2) . فقد وردت الآية لتحكي قصة يهود بني النضير في سورة الحشر، وأن ما حل بهم من الإخراج والتشريد كان بسبب ما فعلوه، وخاطب الله المؤمنين بقوله: (فاعتبروا يا أولي الأبصار ) ، ليكون المسلمون على حذر وعبرة، فلا تنتقل إليهم علل الأمم السابقة، فيحل بهم ما حل بها. ومع ذلك اقتصر الاجتهاد في هذه الآية على استنباط دليل الفقه التشريعي، فكانت أحد أدلة القياس عند علماء أصول الفقه، علمًا بأن دليل القياس التشريعي يعتبر أحد مدلولاتها وليس غاية مقصدها.. فالقضية واضحة أشد الوضوح في أنها دليل أو أصل في الفقه الاجتماعي والسياسي والحضاري، ومع ذلك نجد أن الاستدلال بها ذهب إلى مجال الفقه التشريعي!

ولعل في الإطار نفسه يمكن أن ننظر إلى قوله تعالى: (... فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ) (التوبة:122) ، فالفقه في الدين بعمومه وشموله لا يقتصر على الفقه التشريعي، وإنما له شموليته التي يقتضيها شمول مفهوم الدين في الإسلام، وهو ما أطلقنا عليه مصطلح: الفقه الحضاري.. والفقه التشريعي كيان من كياناته.. والتعبير بالنفرة والتعبير بالحذر: (لعلهم يحذرون ) قد يكون أقرب للفقه الميداني والاجتماعي والسياسي والحياتي، الذي يحقق المعرفة من دراسة الواقع وينذر من العواقب ويحذر منها، منه إلى الاقتصار على حفظ النصوص الذي سوف يؤدي إلى فقه الكتب والأوراق، إذا لم يترافق مع النفرة الميدانية الواقعية، خاصة إذا علمنا أن مصطلح النفرة غالبًا ما يستعمل للدلالة على سرعة الاستجابة لداعي الجهاد ودخول الميدان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت