إن القرآن الكريم مليء بالتحذير من عبادة الدنيا والركض وراءها حافل بالتنبيه على ضرر الركون إليها والانشغال بها مكثر من التصريح بخطر الاغترار بها والجمع لها وكذلك سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك أقوال الصحابة والتابعين لهم بإحسان؛ فصارت هذه الآيات والأحاديث والآثار مادة عظيمة لطلاب الدار الآخرة ومؤثريها على الدنيا وسراجًا منيرًا لهم في دروبهم في هذه الحياة المكتظة بالشبهات والشهوات والظلم والظلمات؛ ولقد ألف جماعة كثيرة من كبار العلماء كتبًا في الزهد والرقائق فحفظوا لنا - بحمد الله - كثيرًا من تلك المادة، إذ جمع كل منهم في كتابه طرفًا من الأحاديث المرفوعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والآثار الموقوفة على أصحابه والتابعين، أو المحكية عن سائر الأنبياء عليهم السلام أو عن غيرهم من عباد الأمم السابقة وحكمائها، وتلك الأحاديث والآثار تتضمن جانبًا كبيرًا من العبر الكبيرات والعظات الحسنات والقصص المؤثرات والحكم النفيسات، فتداولت الأمة هذه الكتب رواها الراوون ووعاها الواعون وانتفع بها الناس قرنًا بعد قرن، وكانت سببًا في توبة كثير من المذنبين وأصلًا لزهد كثير من الراغبين، وظل الأمر كذلك زمنًا إلى أن وهنت الأمة وضعف العلم وقل النافع الأصيل منه فلم يبق منه إلا بقاياه وكثر الضار الدخيل عليه الذي يخفي الشيطان السم في طواياه، وصار كثير من الناس يطلبون العلم الشرعي لغير الدين شعروا بذلك أم غفلوا، وانشغل كثير من الطلاب بعلوم لا تزيدهم معرفة بالله ولا عبودية له ولا قربًا منه علموا بذلك أم جهلوا؛ فابتعد أكثر الناس كثيرًا أو قليلًا عن أكثر علوم الشرع واستبدلوا بها - وهي أعلى وأسنى - الذي هو أدنى، وكان أكثر العلوم إهمالًا وأشدها إقصاءً علم الزهد والأخلاق وأعمال القلوب، وإنما كان السبب في ذلك - فيما أرى - هو أن الشيطان يعمد قبل كل شيء إلى محاربة الأنفع والأخطر من العقائد والعلوم والأعمال،