ويجتهد في إبطال أو إضعاف الأهم من ذلك؛ فكان من آثار ذلك كله أن قل بين العباد وطلاب العلم - فضلًا عمن ليس منهم - الزهد في الآخرة والرغبة في الدنيا وكثر عندهم ضد ذلك فأحبوا العاجلة وقصروا في حق الآخرة وصالحوا الدنيا وأهلها وداهنوا أنفسهم وسكتوا عن غيرهم، وإنه لمما يطول منه العجب عند التأمل أن ترى طالب العلم يُعنى بعلوم كثيرة ولكنه لا يكاد يعنى أصلًا بما دونه علماؤنا في باب الزهد والتزكية ولا يلتفت إلى ذلك لا علمًا ولا عملًا مع أن في ذلك صلاح القلب والعمل، ورضا الرب عز وجل، بل الأعجب من ذلك أن ترى بين الناس المعدودين - ظلمًا - من العلماء أو من طلاب العلم الشرعي ، من يحارب الاهتمام بمسائل الزهد والتزكية أو يضيق بها ذرعًا أو يصرح بأنها مما ينبغي إرجاؤه وتأجيله، أو أنها أمر انقرض أهله وذهب جيله، ولعل من أسباب ذلك جهلهم بعظمة نفع هذا الباب من العلم وشدة خطره وكبر الحاجة إليه، والناس أعداء ما جهلوا، ثم كثرة التقصير في هذه الأمور وكثرة الغرق في الدنيا وسرعة الركض وراءها والمقصر لا يحب من يذكره بتقصيره والمفْرط لا يميل إلى من ينهاه عن إفراطه والمخطئ المصر يثقل عليه أن يسمع ما يزجره عن أخطائه ويؤنبه على أغلاطه.
فيا أيها الناصح لنفسه الباحث عن أسباب الهداية إلى دين الصحابة والتابعين ، اقرأ إن كنت حريصًا على دينك وسلامة قلبك ما سطره أسلافنا - وهم الدعاة الصادقون والهداة الموثقون - في أبواب الزهد والرقاق والتزكية والأخلاق والأدب والمواعظ واعتبر ما نحن عليه بما قالوه وفعلوه، ثم انظر إلى إي منحدر انزلقنا وهبطنا وفي أي شيء من هذه الدنيا الساحرة الفاتنة غرقنا وتورطنا!
اقرأ، إن كنت حقًا - لا ادعاءً فقط - تحب طريقة السلف في الدين، ما قالوا وكتبوا في الزهد وأعمال القلوب ليدب البرء بإذن الله إلى قلبك وينشرح بإذن الله صدرك، وتستضيء بنور الإيمان عيناك.