إن كتب الزهد والرقائق كتب في الإيمان والتزكية والأخلاق والأدب الشرعي وأعمال القلوب، جمعها أصحابها - وهم علماء محدثون أو فقهاء أو مفسرون، بل أكثرهم أئمة أعلام - من أقوال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقوال الصحابة وعلماء التابعين وحكمائهم الفاضلين وزهادهم المتقين، ومن أخبار تلك الأجيال في دينها وقصصها في تعبدها وزهدها، إنها كتب تقص عليك أحسن القصص بعد كتاب الله وكتب حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، إنها تطلعك على أفضل تأريخ للناس، أو قل على تأريخ أفضل الناس، ففيها زهد الأنبياء وحكمهم وزهد الصحابة ووصاياهم وزهد التابعين ونصائحهم، ولقد كانت أعمال القوم ـ بسبب عظيم اجتهادهم ـ عند من يعتبر بها: نصائحَ كأقوالهم، وكانت كلماتهم ـ بسبب كمال صدقهم ـ دليلًا على أفعالهم، ثم إن مما يزيد النفع بتلك الكتب ويجلب الثقة بمن ذكر فيها: أن يقف القارئ على أفعال هؤلاء العلماء العاملين مقرونة بأقوالهم وعلى عملهم مذكورًا جنب علمهم، رحمهم الله تعالى ورضي عنهم ونفعنا بعلمهم وسلك بنا سبيلهم برحمته وفضله ومنته إنه بر كريم.
إنه لا غنى بأهل عصر من الأعصر المتوسطة والمتأخرة عن علم السلف الصالح، بل إن النصائح والوصايا في باب الزهد والتربية لا يكاد يحسنها سواهم، فلا يحسن منا سوى أن نُعنَى بكلامهم في هذا الباب جمعًا وحفظًا وسمعًا وفهمًا وتأليفًا وتوضيحًا وتصنيفًا وتنقيحًا، وأما الإضافة إليه أو الاستدراك عليه أو المخالفة له أو الاستغناء عنه فهيهات؛ لقد كان كلامهم قليلًا كثير البركة وكلام الخلف كثير قليل البركة؛ ولقد كان السلف يتكلمون بكلام كأنه الدر فتكلم أقوام من بعدهم بكلام يخرج من أفواههم كأنه القيء
يا باريَ القوسِ بريًا ليس يُحْكِمُهُ***لا تُفسِدِ القوسَ أَعْطِ القوسَ باريها