فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 266

ولما كان الأمر كذلك جهل حقيقة الأمر كثير من الذين لا يعلمون - وهم أغلب الناس - وظنوا أن الدعوة إلى الزهد في الدنيا دعوة حادثة مبتدعة وأنها بعد القرون الفاضلة من هذه الأمة مبتدأة، وقاسوها بدين أدعياء الزهد المتأخرين من الجاهلين والدجالين، وقرنوها بما ليست منه في شيء ونسبوها إلى أمور راجعة إلى النقص والعيب وهي منها براء بلا ريب، والحق الذي لا شك فيه أن الزهد في الدنيا للإقبال على الآخرة بالدين الصحيح الذي أمر الله به هو دعوة الأنبياء جميعًا ودعوة أتباعهم الصادقين العالمين، ولذا فقد روى المحدثون من أهل العلم والدراية كل الذي تهيأ لهم روايته من أحاديث الزهد والرقائق، سواء ما كان مرفوعًا من ذلك أو موقوفًا أو مقطوعًا، وحفظوا سير الزاهدين وقصص العابدين وكلمات الواعظين، ولما بدأ عصر التدوين والتصنيف كان لهذا النوع من الروايات منهما نصيب عظيم ، حتى إن أكثر العلماء المتقدمين الذين اشتغلوا بالجمع والتصنيف تتابعوا على إفراد الزهد أو ما قاربه وشاكله من أبواب العلم، كالأدب الشرعي، والأخلاق، وأعمال القلوب، وصفة الجنة والترغيب فيها، بكتاب أو بباب من أبواب كتاب، ولقد أفرد سلفنا عشرات - بل مئات - من كتب الزهد ولكن أفنى مر الزمن المتطاول وكثرة الإهمال أكثر هذه الكتب فلم يصل أهل هذه الأعصر المتأخرة منها إلا القليل، وتلك إحدى المصائب العظيمات وإن لم يشعر بها أكثر الناس؛ فإننا في أشد حاجة إلى مثل هذه الكتب في هذا الزمن الذي فتحت فيه الدنيا علينا زهرتها فتنافسناها وأمطرتنا بوابل من همومها فضاقت بها علينا صدورنا، وازدحمت علينا - والله المستعان - فتنها فألهتنا - إلا من يستثنيه الله - عن الآخرة، وقد خاب من غفل عن الآخرة أو نسيها ، وخسر خسرانًا مبينا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت