فهرس الكتاب

الصفحة 7 من 120

ومن هنا نقول: إن دراسة محل التنزيل، واختبار مدى توافر الشروط في المحل، من الأهمية بمكان.. فهي - فيما نرى - لا تقل عن فقه الحكم، ذلك أن فقه الحكم دون فقه المحل المراد تنزيله عليه ومدى استطاعته، قد يكون نوعًا من العبث والإساءة للحكم نفسه.

ولا يقل أهمية عن الاجتهاد في دراسة الواقع (محل التنزيل) واختبار مدى توفر الشروط المطلوبة، وما يتطلب ذلك من أدوات معرفية لتنزيل الحكم الشرعي، الاجتهاد والنظر والتبصر في العواقب والتداعيات، التي يمكن أن تترتب على تنزيل الحكم على محله، أي النظر في الأبعاد الزمانية والمكانية، إلى جانب توفر الاستطاعة مناط التنزيل، ذلك أن النظر في العواقب والمآلات، التي يفضي إليها التطبيق يعتبر قسيم الفقه في الدين.

ومن هنا ندرك بعض أبعاد دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله عنهما بقوله: « اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ» (أخرجه الإمام أحمد) .. فبدون معرفة المآلات والعواقب، التي تترتب على تنزيل الحكم على الواقع، يغيب الفقه الحقيقي في الدين، ويُساء التطبيق، ويُتَعَسَّفُ فيه، ويُعْبَثُ بالأحكام الشرعية، الأمر الذي يؤدي إلى العنت، وغياب الأهداف والمقاصد، التي من أجل تحقيقها جاءت الشريعة.

لذلك نقول: إن فقه المقاصد، والاجتهاد في اختيار الأحكام الملائمة للواقع، المحققة للمقاصد، المبصرة للعواقب والمآلات، يعتبر من أرقى أنواع استشراف المستقبل والتخطيط له - أو علم المستقبليات، بالمصطلحات الحديثة- أو من فقه المستقبل.

من هنا نرى أن الخطورة كل الخطورة تكمن في غياب الفقه المستقبلي، فقه التداعيات والعواقب المترتبة على التنزيل، والظن بأن الفقه في الدين عبارة عن حفظ الأحكام الشرعية، أو الاقتصار على الفقه في الدين، وغياب علم التأويل (معرفة تداعيات تنزيل الحكم المستقبلية) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت