ومن الأمور الملفتة، أن الشريعة الإسلامية بقيمها وقوانينها وأحكامها، ما تزال مستمرة وممتدة، وتشكل محاور علمية وثقافية وقانونية لا يمكن تجاوزها أو تجاهلها، فهي تفرض وجودها بقوتها الذاتية على الباحثين والدارسين والقانونيين والحقوقيين ومنظمات العمل وحقوق الإنسان، وفي المعاهد والجامعات ومراكز البحوث، على الرغم من إقصائها عن واقع الناس وتهميشها في ركن مركون من مسائل الأحوال الشخصية، وعلى الرغم من غياب الدولة، أو السلطة التي تعتبر الشرط الأساس لاستمرارها ونموها وامتدادها وبسطها على حياة الناس.
وبالإمكان القول: إن الشريعة باقية وممتدة في الأمة، على الرغم من غيابها وإقصائها في ممارسات الدول.
والحقيقة التي ما تزال غائبة عن كثير من الناس، أن تطبيق الشريعة وتنزيلها على الواقع منوط بالاستطاعة والإمكان ، وأن تنزيلها يبدأ مع الإنسان من حيث هو، ومن خلال استطاعته، حيث يطبق من الأحكام ما يتوافق مع الاستطاعة، ويترقى شيئًا فشيئًا، وبذلك يكون قد نزَّل وطبق الإسلام الذي هو مكلف به في هذه المرحلة، حتى رأى بعض العلماء أن ما وراء ذلك من الأحكام لا يرد فيه التكليف أصلًا بالنسبة لحالته، إذا فقدت الاستطاعة.. وبذلك نقول: إن كل مسلم يمكن أن يطبق الإسلام من اللحظة التي يبدأ فيها وينزل أحكامه على حياته، ويتدرج، وهذا هو الوضع الطبيعي، أما أن نقضي بعدم تنزيل الأحكام على واقع الناس بحجة أنهم غير مؤهلين لذلك بإطلاق، ومن ثم نحاول تأهيلهم بأحكام ومناهج بعيدة عن الشريعة، فهي خديعة ثقافية وقانونية، إذ كيف يمكن أن يُهيأ إنسان بقيم وأحكام لا تمت إلى الشريعة؟ ومتى يصبح مؤهلًا لتطبيق وتنزيل أحكام الشريعة؟!
إننا نؤهله بالمستطاع من الشريعة، لتنزيل أحكام الشريعة واستكمالها.