لقد حُرِم هذا المصطلح عند قدماء الأصوليين من إعطاء حد له حتى من الشاطبي نفسه، وفي تقديري إن عدم تعريف متقدمي الأصوليين لمصطلح المقاصد يعود إلى عدم تبلور علم المقاصد كمبحث مستقل في أصول الفقه في زمنهم؛ حيث كان مبثوثًا في ثنايا مباحث المناسبة والمصلحة والاستحسان وسد الذرائع، أما الشاطبي، فرغم كونه صاحب النقلة النوعية لعلم المقاصد بما قعدّ له وفصّل فيه وجعله مبحثًا مستقلًا من مباحث أصول الفقه لا يقل عن المباحث الأخرى إن لم يفقها، إلا أنّ الرجل لم يكن معنيًا بالحدود والرسوم، بل كان يرنو إلى مشروع تجديدي لأصول الفقه موجّه للعلماء حيث يقول عن كتابه: «ألاّ ينظر فيه نظر مفيد أو مستفيد حتى يكون ريّان في علوم الشريعة، أصولها وفروعها، منقولها ومعقولها، غير مخلد إلى التقليد والتعصب للمذهب» ( [4] ) ، أما المعاصرون فقد اهتموا بإعطاء تعريف للمقاصد بعد أن أخذت حيزها المطلوب من علم أصول الفقه، واتضحت معالم النظرية وأبعادها.
دلالة المقاصد عند الشاطبي:
كما سبقت الإشارة فإن الشاطبي لم يعمد إلى وضع حد أو رسم للمقاصد بل بدأ مباشرة ببيان المقاصد من خلال بيان أقسامها، فقسمها إلى قسمين: قصد الشارع؛ وقصد المكلف.
القسم الأول.. قصد الشارع: وقسمه إلى أربعة أنواع هي:
-قصد الشارع إلى وضع الشريعة ابتداءً «أي بالقصد الذي يعتبر في المرتبة الأولى، ويكون ما عداه كالتفصيل له، وهذا القصد الأول» ( [5] ) وهو الذي قال فيه الشاطبي: «تكاليف الشريعة ترجع إلى حفظ مقاصدها في الخلق، وهذه المقاصد لاتعدو أن تكون ثلاثة أقسام: ضرورية، وحاجية، وتحسينية» ( [6] ) ، وهذه المقاصد تجمعها قاعدة «درء المفاسد وجلب المصالح» .
-قصد الشارع في وضع الشريعة للإفهام.
-قصد الشارع في وضع الشريعة للتكليف بمقتضاها.
-قصد الشارع في دخول المكلف تحت أحكام الشريعة.