فهذا كتاب الأمة الثالث والتسعين: «في الاجتهاد التنزيلي» للدكتور بشير بن مولود جحيش، في سلسلة الكتب، التي يصدرها مركز البحوث والدراسات، في وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، بدولة قطر، مساهمة في إعادة التشكيل الثقافي، وتحرير صور التدين مما لحق بها من الكهانات وما تسرب إليه من علل الأمم السابقة، وبناء النخبة التي تمثل (عقل الأمة) ، أو الطائفة القائمة على الحق، التي تشكل خمائر النهوض وتمتلك القدرة على إبصار الواقع، وتجتهد في تقويمه بقيم الإسلام، كما تمتلك القدرة على اكتشاف دوائر الخير في المجتمعات، وتسعى للتوسع فيها، من خلال الإمكانات المتاحة والظروف المحيطة، وفي ضوء السنن الفاعلة في الحياة والأحياء، سقوطًا ونهوضًا، بعيدًا عن المجازفات والمواجهات وتقديم الضحايا والتضحيات تحت رايات عُمِّيَّة جعلت من المسلمين رصيدًا جاهزًا للاستعمال وتصفية الحسابات بدمائهم.
ولعل من الأمور الاجتهادية المهمة ما يتمثل في إبصار النوازل قبل وقوعها، والاجتهاد في كيفية تجنب الأزمة، والوقاية منها، والقدرة على إدارة الأزمة حال نزولها، وتقديم المسلم المعاصر برؤيته المستمدة من معرفة الوحي كأنموذج حضاري جديد يغري بالاتباع بالإقناع، بعيدًا عن الإكراه استجابة لقوله تعالى: (( لا إِكْرَاهَ ) ) (البقرة:256) وقوله: (( وَمَا أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ ) ) (ق:45) .
إن التوجه العام صوب الفكر الاجتهادي، والتفكير الاجتهادي، وإعادة بناء ثقافة الاجتهاد، أو إيقاظ وتنشيط ذهنية الاجتهاد، بعد هذه الحقب المتوالية من التقليد والجمود والانقطاع والتخاذل، يعتبر مؤشر صحة وعافية للعقل المسلم، ومحاولة لاستعادة فاعليته ومكانته، والقضاء على حواجز الخوف من التأثيم والتخطيئ، وعودة إلى الوضع الطبيعي، والاضطلاع بالوظيفة الشرعية والعضوية للعقل المسلم، وكيفية تعامله مع الوحي، وتكامله مع معرفته.