فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 120

وهذا الجهد العقلي المبذول للتمييز بين الأنواع لإلحاق المراد بجنسه لا يكفي فيه منطق افتراض الوقائع وبيان أحكامها سلفًا قبل وقوعها لتصورها في الذهن منبتة عن ملابساتها وظروفها التي تتحكم في تكييف حكمها غالبًا، ومن ثم فالحكم المقدر لا يقع على وجهٍ صائبٍ محققٍ لمقصد الشارع، ومن ثم اشتهر عن الإمام مالك، رحمه الله، كرهه الاجتهاد الافتراضي، تبصرًا منه بما قد يؤول إليه من خطأ في إلحاق أنواع المحكوم عليه بأجناسها وما قد يؤدي إليه من مخالفة المقصود شرعًا؛ وذلك أن الوقائع المستأنفة لا يجري عليها العدّ لتطور الحياة وتشعب قضايا الإنسان وتشابكها، ومن ثم فتجويز الإمام الشاطبي وقوع التقليد في هذا الضرب من تحقيق المناط قد لا يبرر إلا في حدود ضيقة.

ولعل سياق الشاطبي مفيد لتقليل ذلك حين قال: «وقد يكون من هذا القسم - تحقيق المناط - ما يصح فيه التقليد، وذلك فيما اجتهد فيه الأولون من تحقيق المناط إذا كان متوجهًا على الأنواع لا على الأشخاص المعينة، كالمثل في جزاء الصيد، فإن الذي جاء في الشريعة قوله تعالى: (( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمّدًا فَجَزَاء مّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مّنْكُمْ ) ) (المائدة:95) ، وهذا ظاهر في اعتبار المثل، إلا أن المثل لا بد من تعيين نوعه، وكونه ِمثلًا لهذا النوع المقتول ككون الكبش ِمثلًا للضبع، والعنز ِمثلًا للغزال، والبلوغ في الغلام والجارية، وما أشبه ذلك» . ( [65] )

وتُعدُّ مرتبة تحقيق المناط النوعي مدخلًا وإطارًا محددًا للاجتهاد في الأشخاص المعينة الذي لا غنى عن تحقيقه؛ إذ لا يمكن أن يحكم على واقعة محددة بحكم واحد مهما اختلفت ظروفها وملابساتها؛ ذلك لأن للأبعاد الزمانية والمكانية أثرًا في تكييف حكم الواقعة، بغض النظر عن حكم أصل الفعل ابتداءً.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت