فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 120

وهذا النوع من تحقيق المناط يبينه الشاطبي بكونه: «في تعيين المناط من حيث هو لمكلف ما» ( [62] ) ، ويضرب لذلك مثلًا بالعدالة، فإذا وُجِد شخص مُتَّصف بها حسبما يظهر للمجتهد فإنه يوقع عليه ما يقتضيه النص من التكاليف المنوطة بالعدول من الشهادات والانتصاب للولايات العامة أو الخاصة. وهكذا إذا نظر في الأوامر والنواهي الندبية، والأمور الإباحية، وَوَجَد المكلفين والمخاطبين على الجملة، أوقع عليهم أحكام تلك النصوص، كما يوقع عليهم نصوص الواجبات والمحرمات من غير التفات إلى شيء غير القبول المشروط بالتهيئة الظاهرة، فالمكلفون كلهم في أحكام تلك النصوص على سواء في هذا النظر.

فمعنى (العدالة) ثابت عندنا، ولكن يبقى تعيين من حصلت فيه هذه الصفة، والناس فيها ليسوا على حدٍ سواء، بل ذلك يختلف اختلافًا متباينًا، فإذا تأملنا العدول وجدنا لاتصافهم بها طرفين وواسطة: طرف أعلى في العدالة لا إشكال فيه كأبي بكر الصديق، وطرف آخر وهو أول درجة في الخروج عن مقتضى الوصف، كالمجاوز لمرتبة الكفر إلى الحكم بمجرد الإسلام فضلًا عن مرتكبي الكبائر المحدودين فيها. وبينهما مراتب لا تنحصر. وهذا الوسط غامض، لا بد فيه من بلوغ حد الوسع، وهو الاجتهاد ( [63] ) . وكذلك في حال من أوصى بماله للفقراء، فالنظر ينصب على تعيين من ينطبق عليه وصف الفقر لينزل عليه حكم الاستحقاق في الوصية.

وهنا «لا يمكن الاستغناء بالتقليد، لأن التقليد إنما يتصور بعد تحقيق مناط الحكم المقلد فيه، والمناط هنا لم يتحقق بعد لأن كل صورة من صوره النازلة نازلة مستأنفة في نفسها لم يتقدم لها نظير، وإن تقدم لها في نفس الأمر فلم يتقدم لنا، فلا بد من النظر فيها بالاجتهاد» . ( [64] )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت