ومما يندرج في هذا النوع من تحقيق المناط كون الحكم الذي ينطوي عليه النص يتجه إلى أجناس الأفعال كاتجاه منع الشارع إلى السرقة والقتل والزنا، واتجاه وجوب الفعل إلى العمل والعدل والبر، وبالرجوع إلى الحياة الواقعية للبشر يتبين أن تصرفات الإنسان مشتملة على أنواع متعددة تشبه أن تكون مشمولة بتلك الأحكام في عمومها والمتجهة إلى الأجناس، فاختلاس نقود من جيب أحد المارة، والسطو على بنك والاستيلاء على ما فيه من المال، واغتصاب حافظة نقود من أحد رجال الأعمال صور تتقارب لتشبه أن تكون مشمولة بحكم السرقة التي حكمها القطع، وكذلك بذل الجهد في تعمير الأرض بزراعة ما يقتاته البشر، واستفراغ الوسع في زراعة المخدرات تتقارب في صورها لتشبه أن تكون مشمولة بحكم وجوب العمل. ( [60] )
وهنا يبرز دور من يتولى تطبيق الحكم، وذلك في التمييز بين تلك الأنواع وإلحاق كل منها بجنسه ليناله حكمه وليس حكم غيره، وتظهر أيضًا فعالية العقل بشكل أوسع «لأن المقصود من هذا الاجتهاد إنما هو العلم بالموضوع على ما هو عليه، وإنما يُفْتَقرُ فيه إلى ما لا يُعرَفُ ذلك الموضوع إلا به من حيث قُصدت المعرفة به، فلا بد أن يكون المجتهد عارفًا ومجتهدًا من تلك الجهة التي ينظر فيها، ليُنَّزَل الحكم الشرعي على وفق ذلك المقتضى» . ( [61] )