ولعلّ أبرز من ركزّ على البُعْد التطبيقي في التنظير الأصولي من العلماء السابقين، الإمام أبو إسحاق الشاطبي، رحمه الله، في «الموافقات» ( [1] ) و «الاعتصام» ( [2] ) ، فقد جعل الاجتهاد في تنزيل الحكم الشرعي على الواقع قسيم الاجتهاد في فهم النص، وعبَّر عن هذا الضرب من الاجتهاد بالاجتهاد في تنزيل الأحكام الشرعية أوإيقاعها على الوقائع، أوتنزيل الوقائع على الأدلة الشرعية فقال: «المقصود من وضع الأدلة تنزيل أفعال المكلفين على حسبها» ( [3] ) ، وعرّفه فقال: «أن يثبث الحكم بمدركه الشرعي لكن يبقى النظر في تعيين محلّه» .. وقال: بأن هذا الاجتهاد «لا يمكن أن ينقطع حتى ينقطع أصل التكليف وذلك عند قيام الساعة» . ( [4] )
والمتأمل في كتاب «المقاصد» الجزء الثاني من «الموافقات» على وجه الخصوص، وغيره من الأجزاء وكذا «الاعتصام» يجد أن الشاطبي، رحمه الله، قد أرسى أصولًا لهذا الضرب الاجتهادي، وعلىالباحث المتأمل في كتابه -الذي ينبغي أن يكون كما قال الشاطبي: «ريَّان من علوم الشريعة، أصولها وفروعها، منقولها ومعقولها، غير مخلد إلى التقليد والتعصب للمذهب» ( [5] ) - أن يسعى للكشف عن هذه الأصول وتركيبها من خلال ما نثره في كتابيه.