وتبرز أهمية هذا النمط الاجتهادي التطبيقي كلما توسعت خطة الإسلام وكثرت الوقائع والأحداث المفتقرة إلى اجتهاد يوفق طوارئها إلى هدي الشريعة بما يحقق مقاصدها، واجتهاد يكون مبنيًا على أصول منضبطة تقي القائمين عليه مزلات التطبيق، وتعصمهم من دواعي الإفراط والتفريط، ولا جرم أن ذلك لا يتم عبر التطبيق الآلي للنصوص، بل هو تطبيق قائم على، تحقيق مناطات الأحكام في أنواع وأفراد الوقائع، مما يتيح تنزيلًا صائبًا للحكم.
وهذا مشروط بمدى تجسيم تلك العلاقة الجدلية بين الحكم في تجريديته وبين الواقع بملابساته وظروفه، بهدف: تحقيق المقاصد الشرعية في التطبيق، تلك المقاصد التي من أجلها شرعت الأحكام وإليها تفضي، وذلك «بحفظ نظام الأمة واستدامة صلاحه بصلاح المهيمن عليه وهو الإنسان» .
وقد يتخلف تحقيق هذه المقاصد لعدم التحقق من مآلات الأفعال؛ إذ الحكمة لا تقتضي التطبيق الآلي للأحكام دون النظر لما قد يؤول إليه ذلك التطبيق وما يسببه من تداعيات قد تعود على المقاصد الشرعية بالنقض، بل هو محكوم بأصل النظر في المآلات الواقعة أو المتوقعة؛ لا سيما ونحن في هذه المرحلة والأمة تتطلع إلى استيعاب الكسب الحضاري الإنساني، ثم إثرائه بما يستجيب لتوجيه الأمة نحو الشهود الحضاري الذي ارتضاه الله تعالى لها، وتجنيب المسيرة الإسلامية مواقع الزلل وعثرات الطريق.
وعلى الرغم من أن علماء الأصول قد أسهموا في بيان وتفصيل أصول استنباط الأحكام الشرعية لفهمها، إلا أن أصول التطبيق لم تنل سوى القليل المجمل، ومن ثم فقد انعدمت أيضًا الكتابات المعاصرة حوله، إفرادًا له وتفصيلًا، اللهم إلا مباحث في كتب تناولت فقه التنزيل في بعض جوانبه، سواء من حيث التركيز على أبرز منظريه من السابقين، أو البيان لجانب خاص وجزئي فيه.