إن التحول من حالة معرفة الأحكام الفقهية إلى مرحلة كيفية استنباط الأحكام وتنزيلها على الواقع، والتحول من الاجتهاد في إطار الحكم والنص إلى الاجتهاد في إطار المحل وتوافر شروط التنزيل، والتحول من مرحلة إثبات النص، الذي أخذت جهدًا ووقتًا، على أهميته وضرورته، إلى إعمال النص في واقع الحياة ومسيرتها المستقبلية، هو المعادلة الصعبة التي تتطلب جهودًا متنوعة متكاملة وتخصصات معرفية متعددة، للعودة بالحياة إلى القيم الإسلامية، وإعادة القيم الإسلامية لحكم الحياة، وتحقيق سعادة الناس وإلحاق الرحمة بهم.
مقدمة
جاءت الشريعة الإسلامية هادية لحياة الإنسان في الفكر والعمل، تسدد الفكر إلى الحق، وترشد العمل إلى الخير والصلاح، وذلك عبر قسمي الاجتهاد: الاجتهاد في الفهم والاجتهاد في التطبيق (التنزيل) .
أما الاجتهاد في الفهم: فهو استجلاء الخطاب الشرعي لتمثل خطاب الشارع فيه، أمرًا ونهيًا، وسبيله أمران:
أولهما: استظهار واستكشاف تلك المفاهيم الكلية وتعقلها، وتحديد حقائقها من النصوص، وبيان دلالاتها التفصيلية على المعاني، من خلال أدوات الفهم المعتبرة، وهذا ما يسمى بالاجتهاد في نطاق النص.
وثانيهما: الاجتهاد «فيما لا نص فيه» استهداءً إليه من منطلق القواعد العامة والمقاصد الكلية للتشريع، وذلك عبر أنواعه المختلفة ، وغاية الفهم عبر المسلكين كليهما حصول تصور يقيني أو ظني لمراد الله تعالى في التكليف.
وأما الاجتهاد في التطبيق (التنزيل) : فهو الإجراء العملي لما حصل على مستوى الفهم التجريدي للأحكام الشرعية على واقع الأفعال، وتكييف السلوك بها.. وهذا في الحقيقة لا يقل خطرًا وأهمية عن الأول؛ إذ هو مناط ثمرات التشريع، ولا جدوى من التكلم بحق لا نفاذ له.