الاختيارية غايات، وآثارًا اضطرارية، تنتهي إليها، كارتباط الأسباب بالمسببات {وبئس المصير} أي وحسبه جزاء أن يكون هذا مصيره في الآخرة.
الرابع من فضائل إبراهيم: أنه عندما علم بأن الله قد اتخذ له في هذه البقعة المشرفة بيتًا يرجع الناس إليه، عمل على بناء قواعده لئلا يخفى موضعه، وتلتبس حدوده، وتضمحل آثاره، فسجل الله له هذا العمل الصالح حيث قال: {وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت} للدلالة على موضعه، وضبط حدوده، {وإسماعيل} وكان يعينه في أمر البناء ابنه إسماعيل، وكانا يدعو أن الله في أثناء البناء بثلاث دعوات:
الأولى: {ربنا تقبل منا} عملنا هذا، وهو رفع القواعد من البيت بالنسبة لما تقصده من تعيينه للناس كي يتوجهوا إليك {إنك أنت السميع} لدعائنا {العليم} بأعمالنا، المطلع على مقاصدنا.
الثانية هي: {ربنا واجعلنا مسلمين لك} وقرئ {مسلمين} بصيغة الجمع مستسلمين منقادين لك دون غيرك، راضين بما توجبه علينا {ومن ذريتنا أمةً مسلمةً لك} واجعل من ذريتنا أمة مسلمة، تصدق بكل ما يخبرنا به رسلك من أسرار غيبك، وتأتمر بما يأمر ونهابه، وتنتهي عما ينهونها عنه {وأرنا} بكسر الراء وقرئ بإسكانها {مناسكنا} ما تريد فرضه علينا من العبادات التي ترضيك عنا {وتب علينا} وفقنا للتوبة من كل ذنب اقترفناه {إنك أنت التواب} ملهم التوبة، ومقدرنا عليها {الرحيم} مصدر الرحمة والإحسان.
الثالثة هي: {ربنا وابعث فيهم} أي في ذريتنا عندما يكثرون {رسولًا منهم يتلوا عليهم آياتك} الدالة على وحدانيتك، وصدق رسلك {ويعلمهم الكتاب} الذي ينزل عليه وهو القرآن {والحكمة} التي يعلمون بها أسرار الأحكام الدينية ومقاصدها، وهي التعاليم المحمدي {ويزكيهم} يطهر نفوسهم من الأخلاق الذميمة، والعادات السيئة بما يطبعه فيها من حسن الخلق، وعلو النفس، وحب الخير {إنك أنت العزيز} الذي لا يعجزه شيء {الحكيم} الذي لا يخفى عليه شيء مما كان أو يكون. وقد نبه الله بني إسرائيل بهذه الآيات إلى ما يأتي:
(1) أن هذا البيت الذي يأبون الاتجاه إليه قد بنى قواعده إبراهيم وإسماعيل، دلالة للناس على بيته الذي اختاره لأن يكون قبلة المسلمين.
(2) أن إبراهيم وإسماعيل هما اللذان طلبا من الله إيجاد أمة مسلمة.