الصفحة 88 من 1760

لا يتيسر لهم ولا يمكنهم التوجه إلى موجود غيبي مطلق لا يتقيد بمكان، ولا ينحصر في جهة سهل الله لهم سبيل ذلك بأن جعل في هذا المكان رمزًا ومقصدًا يمكن حصر الاتجاه إليه، والوقوف في فنائه لطلب الرحمة والرضوان، ومن أجل هذا جعله الله مثابة للناس وأمنًا وكعبة {للطائفين} حولها {والعاكفين} الجالسين والقائمين بجوارها {والركع السجود} من المصلين؛ وأمر نبيه إبراهيم أن يطهره لهؤلاء حتى يستطيعوا أن يؤدوا عباداتهم بكل حرية، آمنين على أنفسهم ودمائهم وأموالهم. وقد نبه الله بهذه الآية بني إسرائيل إلى أن هذا البيت الذي لا يريدون التوجه إليه هو الذي اختاره الله ليكون مثابة للناس وأمنًا، وأن إبراهيم هو الذي تولى تطهيره من الأصنام بأمر ربه، وتوجه إليه في صلاته، وكان الناس في عهده يصلون حول مقامه، ويتجهون كاتجاهه، ويتعبدون في تلك الجهة كعبادته، وقد اتجه رسول الله في هذا وتلا هذه الآية: {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} .

الثالث: من فضائل إبراهيم: أنه عندما علم بأن الله، جلت قدرته، قد جعل هذا البيت مثابة للناس وآمنًا دعا ربه أن يكون للبلد الذي يحيط بالبيت حرمته وقدسيته، وأن يكون لأهله الساكنين إلى جواره ميزة في الرزق تحببهم الإقامة فيه حيث قال: {وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدًا آمنًا} من رجس الأصنام، وعبادة الأوثان، حتى تخرج الناس من غياهب الشرك، وبواعث التفرقة والزيغ، وتتجه إلى بيتك الحرام وحده {وارزق أهله من الثمرات} ثمرات كل شيء ينتفع به مما هم في حاجة إليه في الدنيا، ويدخل ضمن ذلك زيارة خيار الناس لهم الذين يعدون في بني الإنسان بمثابة الثمرات، وتعلق القلوب بهم إذ قال في آية أخرى: {فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم} {من آمن منهم بالله واليوم الآخر} أي وخص اللهم بهذه الميزة المؤمنين منهم دون الكافرين {قال} الله تعقيبًا على دعوته: {ومن كفر} منهم لن أحرمه من نعمة الرزق فذلك من حقه في الحياة ولكني أرزقه {فأمتعه} بفتح الميم وقرئ بسكونها أي أصيره يلتذ وينتفع في الحياة الدنيا فقط {قليلًا} إذ أن متاع الدنيا قليل {ثم أضطره إلى عذاب النار} أي أسوقه يوم القيامة إلى عذاب النار سوقًا اضطراريًا لا اختيار فيه، نتيجة ما قدمت يداه في الدنيا، وجزاء على الكفر، عملًا بسنة الله في خلقه التي تقضي بأن لأعمال البشر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت