الصفحة 863 من 1760

بعد وقوعها، ومن أجل هذا كانوا على ضلال في عقائدهم أما أنا فلم أنكر سبق علم الله بجميع أعمال عباده وأعتقد أن جميع أعمال العباد لا بد أن تكون مطابقة لما علمه سبحانه عنهم من قبل خلقهم كما لا أنكر الحديث القائل بأن الله قد وكل في الرحم ملكًا فيقول يا رب أشقي أم سعيد فما الرزق فما العمل فما الأجل فيكتب ذلك وهو في بطن أمه، ولكني أصحح مفاهيم الناس في معنى موافقة الأعمال لما في علم الله إذ أقول إن ما يكتبه الملك هو من باب تدوين المعلومات عما سيكون من تلك المخلوقات وأن علم الله بكل ذلك ليس له أدنى تأثير في حصول الأعمال إذ العلم في ذاته ما هو إلا صفة كشف وإحاطة لا صفة تأثير كالقدرة ولا يلزم منها حصول المعلوم فلو أن طبيبًا مثلًا عاين مريضًا وقال إنه سيموت بعد ساعتين بمقتضى ما يعلمه من خطورة المرض فلا يلزم من علمه بهذا أن يموت المريض لأن علمه ناقص أما علم الله فإنه علم تام وقد أحاط الله بكل شيء علمًا ولكن هذا العلم لا يمكن أن يكون مجبرًا لمخلوقية على فعل ما علم به بل إن صدور الأعمال من العباد وفق ما هو في علم الله دليل على كمال علمه تعالى وبرهان قاطع على أنه سبحانه قد منح عباده كامل الخيار في جميع تصرفاتهم التي لم تكن بخافية عليه قبل خلقهم، ولولا ذلك لم يعد للعلم الإلهي أي معنى ولا أثر، وإني إذ أثبت للعبد المشيئة أو الفعل لا أقول بأنه يخلق أفعال نفسه بل إني وضحت الأمر مرارًا على ضوء ما فتح الله به عليّ من فهم لمعنى مشيئة الله الأزلية وتقسيمها إلى (قضاء) وهو الحكم البات كالخلق والتكوين وقد أشار إليه تعالى بقوله: {الذي خلق فسوى} . (وقدر) وهو الحكم المعلق كالأنظمة والسنن وقد أشار إليه تعالى بقوله: {والذي قدر فهدى والذي أخرج المرعى فجعله غثاء أحوى} وأشار إليهما معًا بقوله: {وخلق كل شيء فقدره تقديرًا} وعلى هذا الأساس فسرت قوله تعالى: {والله خلقكم وما تعملون} بأنه خلقكم وخلق أعمالكم فكلها مخلوقة له وخاضعة لمشيئته، ذلك أن الله إذ يقضي بحياة إنسان فلا بد له من الحركة وهي مخلوقة لله وهي الأصل في جميع الأعمال وهي من قضاء الله فلا يملك الإنسان التوقف عنها غير أن لكل حركة اتجاهًا فإن كان إلى يمين فإلى خير وبركة وجنة نعيم وإن كان إلى شمال فإلى شر وسوء منقلب، وهذا التوجيه إلى أحد الجوانب لا يعد خلقًا لأساس الحركة بل هو عمل يحدثه الإنسان وينسب إليه وفق سنن الله وهو من قدر الله الداخل ضمن مشيئته تعالى وقد ترك الله للعباد الخيار فيه وسيؤاخذ الله الناس عليه بعد أن نبههم إلى ما يضرهم وما ينفعهم ورزقهم من العقل ما يميزون به الخير من الشر والصالح من الضار فلو أن إنسانًا أخذ سكينًا وذهب وقتل آخر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت