هذا لا يعني بحال من الأحوال أن للعبد مشيئة غير مشيئة الله بل هي بعينها من مشيئة الله التي اقتضت أن يكون للعبد مشيئة خاصة ضمن دائرة مشيئته تعالى العامة كما فصلنا ذلك من قبل فقال إنه لا يتفق معي أيضًا فيما جنحت إليه من معنى المشيئة وطلب مني إعادة النظر في الموضوع فلم يسعني إلا أن أسدي شكري له على غيرته الإسلامية وتصلبه لما يراه حقًّا وقد يكون كذلك فالله سبحانه وتعالى هو العالم بالحقائق ولكني وأنا أعتقد أني على حق يؤيدني فيه جمهرة من العلماء والمفكرين رأيت من واجبي أن أتوسع في الموضوع وأوضح عقيدتي التي لا تتعارض مع عقيدة أهل السنة بل إنها لتؤيدها بلغة هذا العصر الأمر الذي من أجله وضعت هذا التفسير ونشرته لهداية الناس للحق ابتغاء مرضاة الله فإني أعتقد أن السبب الذي حمل الكثير من العلماء على مخالفتي فيما جنحت إليه هو ظنهم أني بإحالتي الضمير إلى اسم الموصول لا إلى الله قد أثبت للعبد مشيئة من دون الله وأني بهذا خرجت على ما سيقوله السلف وأهل السنة عن القضاء والقدر وأني جاريت المعتزلة في آرائهم وهذا وهم خاطئ فالكل مجمعون على القول بأن الله تعالى قد سبق في علمه ما سيعمله العباد من خير وشر وطاعة ومعصية من قبل خلقهم ومن هو من أهل الجنة ومن هو من أهل النار وأعد لهم الثواب والعقاب جزاء لأعمالهم قبل خلقهم وتكوينهم وأنه كتب ذلك عنده وأحصاه وأن أعمال العباد تجري وفق ذلك وأنه تعالى خلق أفعال العباد كلها من الكفر والإيمان والطاعة والعصيان وشاءها منهم وخلق للعبد قدرة وإرادة وفعلًا فهو فاعل لفعله حقيقة ومختار في إرادته، وقدرته مؤثرة في مقدورها بقدرة الله التي جعلته محدثًا لذلك الأمر كتأثير القوى والطبائع والأسباب والماء في إخراج النبات كما قال تعالى: {وهو الذي يرسل الرياح بشرًا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابًا ثقالًا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون} فالله هو محدث الحوادث بواسطة الأسباب لا عندها كما يقال وهو الذي يمن بالغفران بواسطة عمل الإنسان وقد أثبت الله للعبد مشيئة وأخبر أنها لا تكون نافذة إلا بمشيئته تعالى حيث قال {وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين} أي أنه تعالى إذا لم يرد وقوع الأمر حال دون حصول الأسباب أو عطل مفعولها فلا تقع. لا راد لحكمه وهذا خلافًا للمعتزلة الذين يزعمون استبداد العبد بالاختراع وأن له مقدرة على الخلق والابتداع حتى أن العبد يخلق فعله شاء الرب أم لم يشأ وأنه منفرد بخلق معصيته ولو كره الله ذلك، بل لقد أنكر غلاة القدرية السابقون سبق علم الله بالأفعال وقالوا إن الأمر أنف أي إن الله يعلم بالأفعال