الصفحة 864 من 1760

فلا شك أن الفعل صادر منه بمشيئة الله وأنه ما قتل إلا بقضاء الله وقدره ولكن لا كما يظن من أن الله قد قضى وقدر عليه أن يقتل ولا قدرة له على المخالفة فهو مسير مجبور ومؤاخذ فهذا غير معقول وهذا الظلم الذي نتحاشى نسبته إلى الله بل لأنه إنما قتل بقوة الروح التي جعلته يتحرك ومكنته من القتل والتي لولاها لم يستطع القتل وهي من قضاء لله تعالى ومشيئته وكذلك استعماله السكين التي جعلها الله وسيلة للقتل لم تكن إلا وفق حكم القدر الذي هو من مشيئة الله ولو أنه استعمل القطن مثلًا عند إرادة القتل لم يقتل وقد أشار الله إلى هذا المعنى بقوله: {وما رميت إذا رميت ولكن الله رمى} حيث أثبت الفعل للعبد في الظاهر ونسبه إليه جل وعلا في الواقع ونفس الأمر وهكذا فإني إذ أنسب المشيئة إلى العبد في التركيب بحسب قواعد اللغة لم أخرجها عن مشيئة الله ولم أقل أنها تنفذ بغيرها بل مستمدة منها كما أني إذ أقول إن الإنسان بعمله يدخل الجنة لا أرى فيه تعارضًا مع قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لن يدخل أحدكم الجنة بعمله قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته» ذلك لأني أعلم أن الله غني عن العالمين وليس هو بحاجة إلى أعمالهم وإنما هي رحمته تعالى بهم اقتضت أن تجعل من أعمالهم الصالحة سبيلًا لنيل رضوانه ودخول جنانه فإذا هم أكثروا من الصالحات وتجنبوا السيئات واستحقوا دخول الجنة وقيل لهم {ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون} فإنما دخلوها برحمة الله وبمحض فضله لا بأمر خارج عن إرادته ولا بمعنى أن عملهم لا قيمة له كما فهم بعضهم رغم ما أثبته الله له من أثر هو دخول الجنة وهم إذا اقترفوا السيئات وعذبهم الله وفق دستوره الذي أنذرهم به من قبل فما ذلك إلا بمحض عدله كما فصلت ذلك مرارًا وخصوصًا في الصفحة 18 و65 من هذا الجزء فنحن جميعًا والحالة هذه متفقون على القول بعقيدة أهل السنة والجماعة من سلفنا الصالح ولكني بما وهبني الله من فهم لمعنى آياته أحاول أن أبسط الحقائق للناس بأسلوب يتمشى مع ما بلغته العقول من إدراك يجعلهم يؤمنون بالله حق الإيمان وينزهونه تعالى بعقولهم عن الظلم والاستبداد ويوفقون بين آيات القرآن وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم ويأبون التفرقة بين العقل والشرع مما يستسيغه القائلون أنه (يجوز على الله عقلًا أن يثيب من عصاه ويعاقب من أطاعه وإن كان هذا ممنوع شرعًا لمخالفته لنصوص الآيات) مع أن ما ذكر مخالف للعقل والشرع معًا في الواقع أما الذين يرون فيما قاله مشايخهم دليلًا مقنعًا لهم على نفي الاستبداد والظلم لله فلا شأن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت