تهضموا حقوق من تعاملونهم في كل شيء سواء كان ذلك من المشتروات أو سواها ويدخل ضمن ذلك إعطاء العامل مثلًا أقل من أجر مثله وعدم تقدير قيمة العلوم والفنون لأربابها {ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها} بالخروج على ما وضعه الله من نظم لصلاح حال المجتمع كاستباحة الظلم والاحتيال وأكل أموال الناس بالباطل والبغي والعدوان على النفس والأعراض وغير ذلك مما يعود بالضرر على العموم {ذلكم} أي ما دعوتكم إليه من عبادة الله وحسن معاملة خلقه {خير لكم} أي نفعه عائد لكم وليس منه ما يعود على الله بأي فائدة فأنتم إذ تخلصون العبادة لله بمعنى تتوجهون إليه وحده بالدعاء لقضاء الحوائج وكشف السوء فذلك ما يعود نفعه لكم حيث يحقق لكم ما طلبتم من جهة ومن الأخرى فإن هذا من شأنه أن يكسبكم عزة في نفوسكم أن لا تخضع وتتدنى إلى سؤال غيره من البشر أمثالكم ممن لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا وأنتم إذ توفون الناس حقوقهم يوفون لكم حقوقكم فكما يدين الفتى يدان {إن كنتم مؤمنين} بان الله الذي خلق الكائنات وجعل لها أنظمة لا تتغير ولا تتبدل كذلك سن للخير والشر سننًا لا تخطئ وأرشد الناس إليها وترك لهم الخيار فيما يريدون {من عمل صالحًا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد} . {ولا تقعدوا بكل صراط} يؤدي إلى الهدى والصلاح أي لا تتصدوا لإضلال الناس كالشيطان إذ قال {لأقعدن لهم صراطك المستقيم} بواحد من طرق ثلاثة الأولى {توعدون} أي تخوفون الناس من اعتناق شريعة الله وتنزلون الضرر بمن يخالفكم والثانية قوله {وتصدون عن سبيل الله من آمن به} أي بصرف المؤمنين عن العمل بشريعتهم بمختلف المغريات وثالثها قوله {وتبغونها عوجًا} أي بالطعن في شريعة الله وإلقاء الشكوك والشبهات فيها كقولهم له عليه السلام في سورة هود {أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء} وإن مما يؤسف له أن نرى المسلمين اليوم يقلدون أولئك القوم في مثل هذا القول فإذا ما دعاهم الداعي إلى التوحيد الخالص وتجنب كل ما يشم منه رائحة الشرك من دعاء غير الله والنذر للأولياء والصالحين ونهاهم عن الربا وغيره من المحرمات أبوا إلا أن يقلدوا ما وجدوا عليه آباءهم وسكت عليه مشايخهم من الضلال وقالوا إن من حقهم التصرف في أموالهم كما يشاءون فإن هذا من الأمور الشخصية التي يملكون كامل الحرية فيها {واذكروا إذ كنتم قليلًا فكثركم} الله بمحض فضله فأنتم مدينون له جل وعلا بهذه الكثرة ولو أراد الله لرماكم بداء العقم وكان مصيركم إلى الانقراض فقدروا له تعالى هذه المنة واشكروه عليها بالإيمان به والانقياد