الصفحة 845 من 1760

لا يصحبه خشوع وحضور قلب ورغبة في العظة والخوف من الله {وغرتهم الحياة الدنيا} بزخرفها واطمأنوا لها وشغلوا بها عن ذكر الله وأداء الواجبات فسيقول الله جل جلاله في حقهم إذ ذاك {فاليوم ننساهم} أي نعاملهم معاملة المنسي الذي لا يفتقد من أحد لسببين أولهما {كما نسوا لقاء يومهم هذا} أي لأنهم نسوا الاستعداد له بصالح الأعمال فمن أهمل البذر في موعده حرم من الثمرة يوم الحصاد وثانيهما {وما كانوا بآياتنا يجحدون} أي ولأنهم كذبوا بالآيات فلم يصغوا إليها ولم يعملوا بها وبهذا جنوا على أنفسهم ونالوا جزاء ذلك حسب ما أنذروا به والجزاء من جنس العمل.

بعد أن فصل الله ما سيجري يوم القيامة وما بعده وأشار إلى الأسباب التي بسببها حرّم الله على الكافرين نعيم الجنة أخذ يقرر انقطاع عذر البشر كافة إذا لم ينتبهوا إلى ما هو محدق بهم من الخطر فقال {ولقد جئناهم بكتاب} عظيم الشأن هو القرآن {فصلناه} أي بينا آياته ووضحناها {على علم} منا بمبلغ إدراك الناس وحاجتهم إلى الإيضاح حتى يتمكنوا من تنفيذ مقتضاه وجعلناه {هدى} أي السبيل المؤدي إلى الهدى من توحيد الألوهية وتجنب الضلال بالاكتفاء بتوحيد الربوبية مع اتخاذ الشركاء والوسطاء إليه جل وعلا، {ورحمة} أي وجعلناه رحمة للناس بما فصلناه من حلال وحرام ونافع وضار ولولا ذلك لكان الناس في جهل بما يرضي الله وما يغضبه وما ينفعهم ويضرهم {لقوم يؤمنون} بأنه كتاب الله الواجب الاتباع أما من لا يؤمن به فسوف لا يهتدي ولا يستفيد منه فلا يعد رحمة في نظره {هل ينظرون إلا تأويله} أي ولم يبق أمامهم إلا أن ينتظروا وقوع ما يؤول إليه مما جاء فيه من أخبار المغيبات عن أمر البعث والحساب والعقاب والجنة والنار فليس بعد البيان إلا النظر بالعيان {يوم يأتي تأويله} أي بيان حقيقة ما يؤول إليه وهو يوم القيامة إذ يتأكدون صحته {يقول الذين نسوه} أي تركوه ولم يعنوا بحفظه وتدبره {من قبل} أي في الحياة الدنيا {قد جاءت رسل ربنا بالحق} أي لقد ثبت لنا الآن أن الرسل كانوا صادقين فيما أخبرونا به ونحن الذين أعرضنا عنهم حتى حل هذا اليوم الموعود فما هو السبيل لخلاصنا {فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا} أي هل لله من ذوي المكانة عنده من نلجأ إليهم ليشفعوا لنا كما كنا نتصور في الدنيا رغم ما سمعوا من قوله تعالى: {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون} {أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل} أي يتمنون العودة إلى الحياة لعمل الصالحات بعد اليأس من وجود الشفعاء {قد خسروا أنفسهم} التي كانوا يستطيعون توجيهها إلى عمل الخير وطاعة الله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت