الصفحة 843 من 1760

أن ذلك صورة طبق الأصل لما سيجري إذ ذاك ليأخذ الناس منه عبرة لهم وهذا يعد مبالغة في تحذيرهم من عصيان ربهم وإنذارًا لكل عاقل في هذه الحياة فقال {ونادى أصحاب الجنة} جرى المفسرون جميعًا على أن هذا النداء سيكون بعد دخولهم إلى الجنة وسياق الآية يدل على أنه سيكون في الحشر أثناء عرض الأعمال والمراد منهم المؤمنون الذين آمنوا بالبعث والحساب والعقاب {أصحاب النار} الذين كانوا يكفرون بالله وينكرون البعث والحساب في الدنيا {أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا} من البعث والحساب {حقًّا} وها أنتم تشهدونه معنا بأعينكم {فهل وجدتم ما وعد ربكم حقًّا} ولم يقولوا «ما وعدكم ربكم» لأن ما وعدهم به الله من عذاب لم يحن وقته بعد وهذا يؤيد ما جنحنا إليه من أن المقصود هو تقريرهم بصحة وعد الله من أمر البعث والحساب ليس إلا بمعنى هل بقي عندكم ريب في ذلك {قالوا} أي أصحاب النار {نعم} لم يبق عندنا من ريب في ذلك فهو أمر مشاهد ملموس {فأذن} إذ ذاك {مؤذن بينهم} بمعنى نادى مناد ليعلن للناس أجمعين {أن لعنة الله} بفتح الهمزة وتخفيف النون وقرئ بفتح الهمزة وتشديد النون ونصب لعنة وقرئ بكسر الهمزة {على الظالمين} أي لقد آن أوان حلول الخزي والإهانة بالظالمين {الذين} كانوا {يصدون} أي يعرضون هم أو يصرفون غيرهم {عن سبيل الله} أي سلوك الطريق المؤدي إلى مرضاته ونيل ثوابه {ويبغونها عوجًا} أي معوجة غير مستوية وطرقًا غير مشروعة حتى يضل فيها الناس وذلك كأن يشوبون التوحيد بشوائب كثيرة من الوثنية كزعمهم أن للرسل أو الأولياء عند الله من المكانة ما يجعلهم يتصرفون في الكون ويمدون من يلجأ إليهم بمختلف الإمدادات وأن الله لا بد من ابتغاء الوسيلة إليه بأحد من خلقه والتشفع بهم لديه {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة} .

{وهم بالآخرة كافرون} أي أنهم كانوا ينكرون البعث {وبينهما} أي بين أصحاب الجنة وأصحاب النار {حجاب} أي فاصل يفصل كلا منهما عن الآخر أي أن الله سبحانه وتعالى في المحشر يفصل بينهما وهو كما قال تعالى في سورة الحديد {يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورًا فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله الغرور} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت