الصفحة 840 من 1760

بعد أن حصر الله ما حرم على بني آدم من الأعمال وجه إليهم نداءه الرابع والأخير في هذه السورة وهو يعلمهم فيه بأنه سيبعث لهم رسلًا من قبله وأنه يوجب عليهم تصديقهم واتباع ما سينزل عليهم من آيات ويحذرهم نتيجة تكذيبهم ومخالفتهم ويشرح لهم ما سيكون منهم وما سيؤول إليه أمرهم يوم القيامة فقال {يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي} أي أنه سيأتيكم رسل من جنس البشر ليعرفوكم بي عن طريق آياتي الدالة على مبلغ عظمتي وجلالي {فمن اتقى} أي آمن بي وخاف بأسي {وأصلح} أعماله وفق ما يرضيني {فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون} أي فليطمئنوا على حاضرهم ومستقبلهم ويثقوا بأنهم في مأمن من عذابي وأني سوف لا أحرمهم من جزاء أعمالهم {والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها} فلم يؤمنوا بالكتب المنزلة وأبوا الانصياع لأوامرنا وأعرضوا عنها واحتقروا من جاء بها أو دعوا إليها لأنهم يرون أنفسهم أعلا شأنًا منهم {أولئك أصحاب النار} الذين خلقت النار من أجلهم فلا يقبل منهم عمل ولا يثابون عليه أبدًا {هم فيها خالدون} أي لا يخرجون منها أبدًا وإذا كان هذا شأن من يجحد آيات الله ويحتقر الدعاة إليها {فمن أظلم ممن افترى على الله كذبًا} أي آمن بالله ولكنه افترى عليه بأن زعم أنه لا بد لنيل ثواب الله من وسطاء وشفعاء {أو كذب بآياته} صراحة بالقول أو الاستهزاء بها أو تفضيل غيرها عليها {أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب} أي يطبق في حقهم ما جاء في الكتاب الإلهي الذي يتضمن الوعد على الأعمال الصالحات والوعيد على الشرور والآثام سواء في الدنيا أم في الآخرة {حتى إذا جاءتهم رسلنا} من الملائكة يوم القيامة {يتوفونهم} أي لحسابهم وإيفائهم حقوقهم {قالوا} لهم أي يبدؤونهم الحساب بقولهم {أين ما كنتم تدعون من دون الله} لقضاء الحاجات ودفع المضرات أو للشفاعة لكم عند الله كما قال تعالى: {وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء} . {قالوا ضلوا عنا} أي لم نجد لهم أثرًا {وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين} بدعائهم إياهم وما كانوا يتصورونه من أن لهم من المكانة عند الله ما يخولهم حق الشفاعة لهم لديه، وقد سمعت بأذني من كثير من العلماء وغيرهم من يقول إن الله قد قال في كتابه {وابتغوا إليه الوسيلة} وهذا معناه أنه كما أن الناس لا تقضى حوائجهم في الدنيا عند الملوك والأمراء إلا عن طريق الوزراء وأصحاب المكانات العالية في البلاد فكذلك الله جل جلاله يريد منا أن نتوسل إليه بالرسل والصالحين من عباده وفي هذا من تشبيه الله في أحكامه بملوك الدنيا المستبدين ما يتعالى الله عنه علوًا كبيرًا {قال} الله لمن أجاب الرسل بهذا الجواب ادخلوا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت