المستبدين الذين يقوم أساس حكمهم على شفاعة الشافعين والتوسل إليهم بالجلساء والمقربين مع أن العدل والشفاعة ضدان لا يجتمعان ولا يرون في دعاء غير الله بتحقيق ما لا يقدر عليه سواه عبادة بل يحضون الناس على التوسل إلى الله بأحد من خلقه ممن لا يعلم حقيقته غير الله أو يقصدون الأنبياء والأولياء لتفريج الكرب وقضاء الحوائج إلى غير ذلك من المنكرات التي تنطلي على البسطاء فيطيعونهم في كل ذلك ويتبعونهم فيه {ويحسبون أنهم مهتدون} لأنهم مقلدون في هذا من هم في نظرهم أعرف منهم بشؤون الدين أصلحنا الله وإياهم وهدانا جميعًا إلى سواء السبيل.
بعد أن امتن الله على بني آدم بما أنزل لهم من لباس يواري سوأتهم وريشًا ثم حذرهم من فتنة الشيطان لهم بالتطلع إلى ما وراء الستر من السوءتين كما هو شأنه منذ خلق آدم وأنذرهم بسلطانه عليهم أو تداخله في كافة شؤونهم وضرب لهم مثلًا بوساوسه التي سيضلهم بها ليحذروها أخذ يدعوهم إلى عدم الاكتفاء في اللباس بما يستر العورة بل لا بد من المبالغة في ذلك إلى حد الزينة وتجميل الخلقة فقال {يا بني آدم خذوا زينتكم} أي جملوا مناظر أجسامكم بالثياب الحسنة المتعددة التي تقيكم حرارة الشمس وقارص البرد وتبعد عن دواعي الفتنة {عند كل مسجد} أي في بيوت الله وأوقات العبادة وفي غيرها من المجتمعات العامة من باب أولى فقد أخرج الطبراني والبيهقي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله «إذا صلى أحدكم فليلبس ثوبيه فإن الله عز وجل أحق من يتزين له فإن لم يكن له ثوبان فليتزر إذا صلى ولا يشتمل أحدكم في صلاته اشتمال اليهود» أي لا يتلفف به ويديره على جسمه كله. وروى البخاري ومسلم قال «لا يصلين أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء» وكان صلى الله عليه وسلم يقول عند الكسوة «الحمد لله الذي رزقني من الرياش ما أتجمل به في الناس وأواري به عورتي» . وكان يقول «حبب إلي من دنياكم الطيب والنساء وجعلت قرة عيني في الصلاة» ورُوِيَ عنه قوله «إن الله طيب يحب الطيب نظيف يحب النظافة كريم يحب الكرم جواد يحب الجود فنظفوا أفنيتكم - إلا فنية المساحة أمام البيت - ولا تشبهوا باليهود» ودخل رجل عليه صلى الله عليه وسلم وهو ثائر الرأس واللحية فأشار إليه بيده كأنه يأمره بإصلاح شعره ولحيته ففعل ثم رجع فقال صلى الله عليه وسلم: «هذا خيرًا من أن يأتي أحدكم ثائر الرأس كأنه شيطان» وكان ينهي النساء من حلق رؤوسهن وكان يدعوا إلى الخضاب ويقول «إن أحسن ما يغير به الشيب الحناء والكتم» ، وروى أنس قال وقَّت لنا رسول الله صلى الله