في الأرض ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين قال هذا صراط علي مستقيم إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين نسأله تعالى أن يعصمنا منهم بفضله ورحمته.
بعد أن منّ الله على بني آدم بأنه خلق لهم أنواع الملبوسات وحذرهم من فتنة الشيطان لهم بمثل ما فتن أباهم آدم حيث زين له العرى والتطلع إلى ما وراء السوءتين وأكد لهم أنه لا ينفك عنهم أبدًا بإذن من الله خالقه الذي جعل له الولاية على الذين لا يؤمنون أخذ يعلن عباده بالوسائل التي سيدخل بها إبليس اللعين إلى قلوبهم فيوقعهم في الكفر من حيث لا يشعرون ليحذروا ذلك وليكونوا على بينة من أمرهم فقال {وإذا فعلوا} أي الذين لا يؤمنون ممن تولاهم الشياطين {فاحشة} وهي ما كان يفعله أهل الجاهلية من الطواف حول البيت عراة كما ولدتهم أمهاتهم وغير ذلك من الفواحش {قالوا وجدنا عليها آباءنا} الذين هم أعرف منا ولا سبيل لنا إلى ترك ما كانوا عليه وربما زاد المتدين منهم بقوله: {والله أمرنا بها} أي أن ذلك كان بقضاء الله وقدره فلو لم يقض الله علينا بالفاحشة ويقدرها علينا في أزله ما ارتكبناها {قل} لقد ضللتم فهم معنى القضاء والقدر {إن الله لا يأمر} أحدًا من الناس قط {بالفحشاء} وأوامر الله ليست هي أحكامه العامة أو دستور قضائه وقدره بل هي التي أنزلها في كتبه وأعلنها بواسطة رسله وكلف الناس بالعمل بمقتضاها كلا بمفرده فمن أي كتاب أخذتم هذا {أتقولون على الله ما لا تعلمون} أي ما لم يكن لديكم دليل ثابت بصحته {قل أمر ربي بالقسط} أي العدل أي فلا تحيدوا عن قوله الحق باسترسالكم فيما ليس لكم به علم {وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد} أقام الشيء أدامه وأقام بالمكان دام فيه واتخذه وطنًا له والوجه يطلق على القلب لقوله تعالى: {فأقم وجهك للدين حنيفًا} والمعنى أمر ربي أن تتجهوا دائمًا بقلوبكم إلى الله في أثناء الصلاة ومواضع العبادة {وادعوه مخلصين له الدين} أي وتوجهوا إليه بالدعاء لقضاء الحوائج وتفريج الكروب بحضور قلب ويقين كامل بأنه وحده الذي يجيب الدعاء ويجب أن تخلص له سائر العبادات فإليه المرجع والمآب {كما بدأكم} خلقًا وتكوينًا بقدرته {تعودون} إليه يوم القيامة فريقين {فريقًا هدى} أي اتبع الهدى وهو الإيمان والعمل الصالح فاهتدى {وفريقًا} أعرض عن الإيمان وأصر على الكفر ومن أجل ذلك {حق عليهم الضلالة} ثبتت ضلالتهم وفق أعمالهم الكسبية إذ {إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله} أي أطاعوهم في كل ما يزينونه لهم من الفواحش والمنكرات والبدع وفاسد المعتقدات التي تصور المولى جل وعلا بصورة ملوك الدنيا