الله عندما قال لا تقربا هذه الشجرة أشار إلى جهة معينة من جسم آدم وحواء الذين كانا في الجنة مكسوين فلما يعلما ما هيئة الشجرة ولا أن وراء الستر شيء يلتذ به {فوسوس لهما الشيطان} أي همس في أذنهما بصوت خفي أو ألقى في نفسهما خواطر سيئة أن ينتزعا عن جسدهما ذلك الكساء {ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما} أي أن أول عمل قام به إبليس هو أنه حبب إليهما العرى ليطلعهما على ما كان متواريًا عنهما من السوءتين أو ليوقظ بذلك شهوتهما إذ يقال وَرِيَ الزند إذ خرجت ناره ولعل هذا هو الأقرب {وقال} لهما {ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة} التي لم يكونا يعرفانها إلا بعد أن بدت لهما سوءاتهما وإلا لما كان هنا حاجة لأن يوسوس لهما الشيطان أولًا بانتزاع الكساء والكشف عنهما {إلا} لأحد أمرين لا ثالث لهما وهما {أن تكونا ملكين} بفتح اللام وقرئ بكسرها «ملكين» أي حاكمين في الدنيا يؤيد هذا قول إبليس في آية أخرى {يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى} .
{أو تكونا من الخالدين} أي بدوام نسلكما وهذا بناء على ما علمه إبليس من أن الله سيجعل آدم خليفة له يحكم في أرضه {وقاسمهما} أي أقسم لهما بأغلظ الأيمان قائلًا {إني لكما لمن الناصحين} فخدعا بقسم إبليس ولم يخطر ببالهما أن يحلف مخلوق بالله كاذبًا {فدلاهما بغرور} أي فأوقعهما فيما أراد بالخداع والمكر حتى تحركت فيهما عاطفة الشهوة واستجابا لما أرشدهما إليه من الوقاع {فلما ذاقا الشجرة} بمعنى حصل الجماع فقد كنى رسول الله بالذوق عن الجماع في قوله «لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك» {بدت لهما سوآتهما} أي تبين لهما سوء فعلهما أو أن العورة محل السوء لأنهما عصيا الله بها وأدركا أن من واجبهما أن يعملا على سترهما {وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة} أي يلزقان على سوءتيهما من ورق الجنة ليستراها ويخلصا من شرها {وناداهما ربهما} قائلًا {ألم أنهكما عن} القرب من {تلكما الشجرة} وهي شجرة السلالة البشرية التي تولدت من اجتماع السوءتين في داخل الأحشاء بتكوين الجنين {وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين} وهذا القول هو ما ورد في سورة طه ونصه {فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى} .
{قالا ربنا ظلمنا أنفسنا} بطاعتنا للشيطان وعصياننا لك كما أنذرتنا {وإن لم تغفر لنا} هذه الخطيئة {وترحمنا} بهدايتك لنا والتجاوز عن ذنوبنا {لنكونن من الخاسرين} الهالكين {قال} الله جل جلاله {اهبطوا} أي من هذه الجنة المليئة بالأشجار والتي تأكلون منها بغير كد ولا عناء إلى أرض قاحلة تستثمرونها بالجد والاجتهاد