{بعضكم} وهو إبليس وذريته {لبعض} وهو الإنسان ونسله {عدو} لأنه أخذ على نفسه إضلاله وإغوائه كما قال تعالى في آية أخرى {إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوًّا} يستدل من هذا على أن الإنسان لم يكن عدوًّا للشيطان رغم ما بدا منه بل إنه ليتخذه صديقًا فينقاد له في كثير من الأحيان {ولكم في الأرض مستقر} أي مكان تقرون فيه {ومتاع إلى حين} المتاع ما ينتفع به والمراد بالحين مدة الحياة {قال} الله {فيها} أي في الأرض التي منها خلقناكم {تحيون} تقضون مدة العمر المقدرة لكم {وفيها تموتون} عند انتهاء آجالكم {ومنها تخرجون} يوم القيامة للحياة الأخرى.
بعد أن فصل الله ما كان من شأنه تعالى مع آدم عليه السلام واستجابته لوسوسة إبليس واقتراف ما نهاه الله عنه رغم تحذيره منه ثم رجوعه إليه تعالى بالتوبة وطلب الغفران وصدور أمر الله عليه بالهبوط إلى أسفل طبقات الأرض وجه سبحانه الخطاب إلى أبنائه من بعده بما يشير إلى أنه تعالى الذي خلق الإنسان في الحياة عاريًا لا يرضى لهم العرى في هذه الدنيا لأن ذلك هو السبيل الذي توصل به إبليس إلى سلب إرادة آدم ووقوعه في ما حرم الله عليه فقال {يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسًا} أي مادة تصلح لعمل الألبسة كالقطن والصوف والوبر والحرير وغيرها وعلمناكم وسيلة صنعها واستعمالها {يواري سوآتكم} أي لأجل تسترون به سوءآتكم كما علمنا آدم التستر بورق الشجر عند الخطيئة {وريشًا} أي وأنزلنا لكم ريش الطير الذي هو أسهل شيء بحيث لا يكلفكم جمعه صعوبة ما وربما كان المراد أنه تعالى أنعم عليهم بمختلف أنواع الألبسة التي تستر السوءة عن أعين الناس وكذلك أنواع الحلل التي تشبه ريش الطير في وقاية سائر البدن من الحر والبرد إلى غير ذلك من أنواع الزينة {ولباس} بالرفع وقرئ بالنصب عطفًا على قوله {لباسًا} .
{التقوى} الذي أمرناكم به من غض البصر وتجنب المحرمات خوفًا من الله {ذلك خير} من كل ستر مادي إذ به لا يفكر الإنسان فيما وراء الستر من السوءتين بل لا يرضى بكل ما من شأنه أن يثير الشهوة من أنواع الزينة ويؤدي إلى ارتكاب المعاصي {ذلك} أي ما ذكر من نعم الله المادية والمعنوية {من آيات الله} التي أنعم بها سبحانه على عباده لاتقاء الفتنة والوقوع في المعاصي {لعلهم يذكرون} ما أصاب آدم من الزلل بسبب كشف السوءة فيحرصون على عدم التفريط في أمر سترها {يا بني آدم} وقد قصصنا عليكم ما وسوس به الشيطان إلى أبيكم آدم {لا يفتننكم الشيطان} بما يسديه إليكم من النصح ومختلف المغريات فيحملكم على عصيان الله كما