بعد أن فصل الله ما كان من أمر تكريمه للإنسان بأمره الملائكة بالسجود له وامتناع إبليس عن السجود دون إخوانه من الجن ومحاولته تبرير موقفه أمام الله بما أوحته إليه نفسه الشريرة من الأعذار ومبالغته في العدوان حتى أدى به الأمر إلى حلول نقمة الله عليه وسلب نعمة الحرية منه وجعله مسخرًا للشر والإثم على الدوام ووعده ومن اتبعه وسار على نهجه بنار جهنم أخذ يفصل جل جلاله ما كان من شأنه تعالى مع آدم بعد ذلك فقال {و} قلنا {يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة} يظن الكثير من الناس أن آدم كان في جنة من جنان السماء وأنه بسبب اقترافه الخطيئة أمر بالهبوط إلى الأرض ويلوح لي من بين ثنايا الآيات أن آدم لم يكن في السماء بل في الأرض التي خلق منها بدليل أن الله قد قال للملائكة قبل خلقه {إني جاعل في الأرض خليفة} أي من طينها إذ قال تعالى: {منها خلقناكم وفيها نعيدكم} ولعلها كانت بأعلى طبقات الأرض وأنها كانت عبارة عن جنة ذات ثمار تجنى من غير تعب ولا نصب ثم قال له {أسكن أنت وزوجك الجنة} ولم يقل أدخل إشارة إلى أنه كان بها وقال {إن لك أن لا تجوع فيها ولا تعرى} وأن إبليس كان معه أيضًا فلم يقنع آدم بهذا النعيم والراحة وطمع فيها سوله له الشيطان من الملك والحياة الدائمة فأمر بالهبوط إلى الأرض السفلى وهي أرض قاحلة لا تنبت إلا بالجهد ولا تستخرج كنوزها إلا بشقاء الأنفس حيث الملك والسيطرة ودوام النسل كما حصل لقوم موسى من بعد لما لم يقنعوا بما أنعم الله به عليهم من المن والسلوى من غير جهد ورغبوا في مثل الحبوب والخضروات التي لا تنال إلا بالزراعة والفلاحة والكد والتعب {قالوا فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير اهبطوا مصر فإن لكم ما سألتم} وجرت تلك سنة الله في خلقه من لم يرض بنعم الله ولم يقدر قيمتها ينزله الله إلى ما هو دونها {فكلا من حيث شئتما} أي مما لذ وطلب لكما من أثمارها الناضجة {ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين} قلنا عند تفسيرنا لمثل هذه الآية في سورة البقرة بأن الله لم يسم الشجرة فاختلفت الظنون في حقيقتها فقال بعض المفسرين إنها الحنطة وقال آخرون إنها التفاح ولا دليل لهم على ذلك وأمسك الكثير عن البحث فيها ولكني وأنا أتأمل في كلام الله يلوح لي أن المراد منها شجرة"السلالة البشرية"وقد منعهما الله من القرب منها الذي هو الجماع لأن الله قد كنى بالقرب عن الجماع في قوله تعالى: {فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن} وأقمنا الأدلة على ذلك ص 31 من الجزء الأول ونكتفي هنا بمجرد التفسير على ضوء ما تقدم من أن