منها {منها} أي من درجة الحرية التي كانت لك ولأمثالك من عالم الجان إلى درجة التسخر للشر {فما يكون لك أن تتكبر فيها} أي في حال حريتك فليس معنى الحرية أن تحتقر غيرك من العباد {فاخرج} من صف الأحرار الذين يعرفون قيمة نعمة الحرية إلى صف المستعبدين {إنك من الصاغرين} الأذلة المحقرين في أعين الناس وفي هذا يقول الشاعر.
@مثل الشامخ في عليانه
#مثل الصاعد في رأس جبل
@ينظر الناس صغارًا وهو في
#أعين الناس صغيرًا لم يزل
{قال} إبليس {انظرني إلى يوم يبعثون} أي أحييني إلى يوم يبعث آدم وذريته لأشهد انقراضهم وبعثهم {قال إنك من المنظرين} أي إن الله قد استجاب دعوته من حيث الأنظار أما أمد الأنظار فقد حدده الله في آية أخرى بقوله: {إلى يوم الوقت المعلوم} وما إن ظفر إبليس بهذا الوعد الكريم من ربه حتى زاد في طغيانه {قال فبما أغويتني} الإغواء: الإيقاع في الغواية وهي ضد الرشاد {لأقعدن لهم صراطك المستقيم} ومعنى هذا أن إبليس لما علم بحلول غضب الله عليه لم يندم على ما فرط منه ولم يحاول التراجع والتوبة بل ركب رأسه وأمعن في عصيانه إذ نسب إلى الله أمر غوايته ولا دليل له على ذلك فإنه هو الذي امتنع عن السجود بباعث من نفسه التي منحها الله كامل الحرية كالإنسان تمامًا ولم يقدر لله هذه المنة بل جحدها وأعلنها حربًا على الله في شخص من فضلهم عليه وأقسم أن يزين لهم سلوك سبل معاصيه وقال {ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم} أي لا أدع جهة من الجهات إلا وأهاجمهم منها حتى أضلهم عن صراطك المستقيم {ولا تجد أكثرهم شاكرين} أي سأعمل على جعل الكثير منهم يكفر بآلائك ويتناسوا نعمك عليهم {قال} الله تبارك وتعالى له {اخرج منها مذءومًا} أي موصومًا بالعيب وهو مناصبة الله العداء والتحدي {مدحورًا} أي مطرودًا من رحمة الله فلا سبيل إلى رضاء الله عنك عكس الملائكة تمامًا {لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين} أي منك وممن تبعك وأصغى لوساوسك وكفر بنعمتي من الإنس والجن وإن في قوله {منكم} ولم يقل"بكم"إشارة إلى أنه تعالى سيشمل الكثير من المؤمنين والخاطئين بواسع رحمته نكاية بإبليس اللعين.