الصفحة 829 من 1760

خلق أنواع الطعام أو ما يحصل بالاكتساب وكلاهما من فضل الله وأقداره وتمكينه، ولما كانت كثرة الأفضال توجب الطاعة والانقياد والإنسان مهما أوتي من قوة ومهما بذل من عمل لا يستطيع أن يوفي حق ربه في الشكر على تلك النعم قال تعالى: {قليلًا ما تشكرون} أي وشكركم لهاتين النعمتين لا يتناسب مع كثرتها وعظيم قدرها فشكر النعمة إنما يكون بحالات ثلاث الأولى الشعور بها والثانية الاعتراف بها لمسديها والثالثة الشكر عليها بالحمد والثناء والاستفادة بها فيما يرضي الله وقل أن يتوفر هذا الشكر في أحد من الناس {ولقد خلقناكم} يا معشر السلالة البشرية في مبدء التكوين خلقًا ذريًا في العالم غير المنظور {ثم صورناكم} بأجمل صورة وأحسن تقويم وبشكل منسجم لا يستطيع أحد أن يبدي أي عيب فيه {ثم قلنا للملائكة} أي التي هي أشرف المخلوقات العلوية على الإطلاق {اسجدوا لآدم} سجود احترام وتقدير لما خلقت بيدي {فسجدوا إلا إبليس} بمفرده {لم يكن من الساجدين} لأنه ليس منهم خلافًا لما يراه المفسرون من أنه كان من كبار الملائكة والحقيقة أنه كان من عالم الجان أي الخفي الذي سمع أمر الله للملائكة الذين هم أشرف منه وخلقوا من النور بالسجود فكان عليه أن يسجد لأنه أحط منهم درجة ولذا خاطبه رب العزة {قال ما منعك} من امتثال الأمر وحملك على {ألا تسجد} لآدم مع الملائكة {إذ أمرتك} أمرًا ضمنيًا بما وجهته من الأمر إلى من هم أرفع درجة منك وهم الملائكة ومتى أمر الشرفاء بالسجود وجب على من كان أقل منهم درجة أن يسجد {قال} إبليس وقد اغتر بأنه خلق من النار التي هي أداة العذاب فلم يعترف بشرف الملائكة عليه وشعر بما منحه الله من الحرية في القول والعمل بما وجهه إليه من هذا السؤال فقال {أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين} أي أنه أجرم في حق ربه بعدة جرائم أولها امتناعه عن السجود وثانيها اعتراضه على أوامره وإعلانه المخالفة وثالثها أنه ينزل نفسه فوق حقيقتها فزعم أنه خير من آدم مع أن الله قد فضل آدم على جميع المخلوقات إذ خلقه بيده ونفخ فيه من روحه وجعل استعداده العلمي فوق استعداد غيره وفضله بذلك على الملائكة المطيعين إذ أمرهم بالسجود له والإذعان بمزاياه الطيبة ورابعها أنه علل تفضيله على آدم بما لم يرد عن الله من تفضيل النار على التراب وخامسها أنه افتأت على الله إذ جعل للأصل والجنس حقًّا في الأفضلية رُوِيَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله «أول من قاس أمر الدين برأيه إبليس قال الله له اسجد لآدم فقال أنا خير منه» {قال} الله جل جلاله {فاهبط} الهبوط الانحدار والسقوط من مكان إلى ما دونه أو من منزلة إلى أحط

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت