كانوا مسخرين مجبورين على الشرك وتحريم ما حرموا وفق مشيئة الله التي ارتضاها لهم وأمرهم بها ودحضها بما أشار إليه من إيضاح معنى المشيئة أنها دستوره العام الذي سنه لعباده والذي يشمل ما يرضيه وما لا يرضيه من عباده الذين شاء لهم أن يكونوا أحرارًا بكل معنى الكلمة في ارتياد ما يرون لهم من الأعمال خلافًا للملائكة التي شاء الله لها أن تكون مسخرة لطاعته تسبح بحمده وتقدس له ولا تعصي له أمرًا فكانت كما شاء لها تعالى، أمر رسوله أن يعلن أصول المحرمات ومجامعها بحصرها في مخالفة ما يقابلها من أصول الفضائل والمكرمات التي جعلها الله أساسًا لما يرضيه من عباده من أعمال القلوب والأجسام فقال {قل} أيها الرسول وأعلن للناس أجمعين أن الله الذي وهب لكم الحياة وخلق لكم كل شيء قد حرم عليكم عشرة أمور ونهاكم عن إتيان شيء منها وأباح لكم ما سواها ومنحكم كامل الخيار في الطاعة والعصيان وأمرت أن أبلغ ذلك لكم حسب أمره {تعالوا} يا عباد الله من إنس وجان أقبلوا علي {أتل ما حرم ربكم عليكم} مما هو مخالف لما سأعدده لكم من الوصايا العشر الآتية الوصية الأولى {ألا تشركوا به} أي بالله {شيئًا} أي أن الله لا يطالبكم بمجرد الإيمان به بل يوجب عليكم عدم الشرك به إذ هو في مقدمة المحرمات وأعظمها سواء كان ذلك باتخاذ الأنداد والشفعاء له أو بإثبات النفع والضر لأحد من دونه وغير ذلك مما أشير إليه في الآيات السابقة {و} الوصية الثانية {بالوالدين إحسانًا} أي الإحسان بالوالدين ومعنى هذا أن الله يحرم عليكم الإساءة إلى أحد من الوالدين بأي شكل من الأشكال التي فصلها الله في آية أخرى بقوله: {ولا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولًا كريمًا واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرًا} وقد ورد في الصحيحين «أفضل الأعمال الصلاة لوقتها وبر الوالدين ثم الجهاد في سبيل الله» فدل هذا على عظيم حقهما بتقديمه على الجهاد الذي هو من أكبر الحقوق العامة على المؤمن وليس من الإحسان إليهما طاعتهما في معصية الله أو في النهي عن فعل الخير أو ما فيه مصلحة خاصة أو عامة مما لا شأن لهما به {و} الوصية الثالثة قوله {لا تقتلوا أولادكم من إملاق} جرى المفسرون على أن المراد بهم الأولاد الصغار يقتلهم أباؤهم لفقر واقع بهم لئلا يروهم جياعًا وهذا في نظري غير مقصود لأن الرجل الذي يعز عليه أن يرى أولاده جياعًا لا يمكن أن تساعده نفسه على قتلهم وسيأتي بعد هذا نص على حرمة قتل النفس مطلقًا والذي أراه أقرب من ذلك أن يكون النهي هنا عن إجهاض الحوامل خوفًا من أن يثقلوا أنفسهم بالإنفاق عليهم في المستقبل كما هو شائع في عصرنا هذا نحن