الصفحة 806 من 1760

الذي لا يمكن أن يطابق الواقع تمامًا كما هو شأن ما يخرص من النحيل والكرم من الثمرة والزبيب {قل فلله الحجة البالغة} والقول الفصل فيما يقصد من مشيئته وقد أشار إلى حقيقتها بقوله: {فلو شاء لهداكم أجمعين} أي أن مشيئة الله الأزلية معناها أحكامه العامة التي يحمل المخلوقات عليها حملًا يقال في اللغة أشاءه إلى كذا ألجأه إليه وشيأته على الأمر حملته عليه وهي تشمل جميع ما يحبه الله وما يكرهه فكلاهما داخل ضمن مشيئته وهذه المشيئة هي الدستور الإلهي الذي وضعه الله بما يتلاءم واستعداد وقدرة جميع المخلوقات للسير بمقتضاه والذي أذاعه على عباده لينفي عن ذاته العلية صفة الاستبداد والظلم ويمنع بمقتضاه الفوضى والعدوان على الحقوق ويؤاخذ الناس على أعمالهم بحسب مواده وأحكامه، وقد قضت مشيئته تعالى أن يكون الناس أحرارًا في تصرفاتهم مسؤولين عن أعمالهم فلا يمكن أن يكونوا جميعًا مهديين أو ضالين ولو أنه شاء لهم جميعًا الهداية لتعارض هذا مع ما شاءه للناس من الحرية التي أنعم بها عليهم وأصبحوا في هذه الحالة مقهورين مجبورين كالملائكة تمامًا {لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون} وهذا ما يبطل ما خيل إليهم من أن المراد بالمشيئة أحكام الله الصادرة في حق كل فرد بعينه وما بنوا عليه قولهم إن كل ما يصدر منهم من الشرك وغيره هو بقضاء الله وأمره ورضاه {قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا} أي أحضروا من أخذتم منهم تحريم ما حرمتم من القساوسة والرهبان ليقرروا أمامنا عن علم شهودي أن الله حرم عليكم هذا {فإن شهدوا} أي شهد شهداؤهم من رجال الدين وقالوا حقًّا إن الله قد حرم هذا {فلا تشهد معهم} أي لا تسكت على شهادتهم لأن السكوت في هذه الحالة يعد اعترافًا بما يقولون بل عارضهم وأقم البراهين على بطلان ادعائهم {ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا} ممن يزعمون الإيمان بالله ولكنهم يكذبون صحيح الآيات بمعنى لا يعلمون بها وإنما يتبعون ما تسوله لهم نفوسهم من الأخذ بأقوال رؤساء الأديان وترجيحها على مفهوم كلام الله ظنًّا منهم أنهم أكثر فهمًا وعلمًا بحقائق الدين ومقاصد الآيات {والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم يعدلون} أي جماعة الطبيعيين والماديين الذين ينكرون البعث ويعدلون عن الإيمان بوجود الرب إلى أشياء لا حقيقية لها فينسبون كل شيء إلى الطبيعة أو إلى المادة لا إلى الله جل وعلا ...

بعد أن حطم الله ما كان للمشركين من معتقدات فاسدة وما كانوا ينسبونه إليه من تحريم بعض الحرث والأنعام وحدد ما حرمه من الطعام ونبه إلى ما كان لمن قبلهم من شبهة أدت إلى شركهم وهي زعمهم أنهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت