الصفحة 805 من 1760

التي كانت سببًا في شرك من سبق من الأمم السابقة وستكون أيضًا من دواعي الشرك بالله على مر الأزمان وقد تولى سبحانه وتعالى الرد عليها ودحضها بالأدلة القاطعة والحجة البالغة لتنبيه الناس إليها فلا يقعوا فيما وقع فيه غيرهم من الكفار السابقين فقال: {سيقول الذين أشركوا} بالله من ضعاف الإيمان الذين رفضوا عبر آيات الله، نحن نؤمن بسلطان الله وقهره لعباده وأن مشيئة العبد مستمدة من مشيئة الله ولا يمكن لبشر أن يفعل شيئًا مخالفًا لمشيئته تعالى، وعلى هذا فما ينسب إلينا من شرك ما هو إلا بمشيئة الله لا محالة و {لو شاء الله} عدم شركنا {ما أشركنا ولا} أشرك {آباؤنا} من قبلنا {ولا حرمنا من شيء} أي لو شاء أن لا نحرم ما حرمناه من الحرث والأنعام وغيرها لما حرمناه ولكنه تعالى شاء لنا أن نشرك معه الأولياء والشفعاء ليقربونا إليه زلفى وشاء لنا أن نحرم ما حرمناه من البحائر والسوائب وغيرها، فإتياننا ما ذكر دليل على مشيئة الله له ورضائه وأمره به أيضًا ولولا ذلك ما استطعنا فعله فلا قوة إلا بالله {كذلك} أي بمثل هذا القول الذي ظاهره الإيمان وباطنه الكفر {كذب الذين من قبلهم} رسلنا فيما أخبروهم به من أن الله الذي خلقهم قد منحهم كامل الحرية في النية والقول والعمل، ولأجل تحقيق هذه الحرية مهد الله لهم طريق الخير والشر وبعثهم بالهدى ودين الحق دعاة إلى الإيمان والعمل لما يرضيه ونهاه عن الشرك وسيئ الأعمال، ولولا ذلك لم يكن حاجة لإرسالهم فلم يؤمنوا برسالتهم ولم يتدبروا ما جاء في كتبهم بل اندفعوا وراء شهواتهم وقالوا ما قالوا دون أن يشعروا بما في قولهم هذا من افتتات على الله وطعن في شرائعه بما لا يقره العقل والمنطق السليم فلا يعقل أن ينهى الله عن الشرك ويأمر به ولا أن يوضح ما أحل وما حرم ثم يبيح لغيره أن يمارس هذا الحق من دونه ولا أن يقضي بدخول شخص في النار ثم يبعث له من يحذره من الأعمال التي تؤدي به إليها، ولقد كان من نتيجة تكذيب أولئك القوم للرسل وعدم تدبر كتبهم أن ظلوا على جحودهم وعنادهم ونسبوا إلى الله ما أرادوا {حتى ذاقوا بأسنا} ولو كان حقًّا ما زعموا من أن الله قد شاء لهم الشرك وتحريم ما حرموا لما أنزل عليهم عقابه، وهذا برهان عملي على صدق الرسل فيما جاءوا به وفيه إبطال لتلك الشبهة التي يتمسكون بها {قل هل عندكم من علم} بحقيقة معنى مشيئة الله {فتخرجوه لنا} لنبحثه معكم على ضوء العقل ونطبقه على ما جاء من عند الله {إن تتبعون إلا الظن} فيما يخيل إليكم من أن المراد بمشيئة الله أحكامه الصادرة في حق كل فرد بعينه من الأزل {وإن أنتم} في عقائدكم {إلا تخرصون} أي لا تعتمدون على دليل واضح بل على مجرد التقدير والتخمين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت