بكراهة ما أحل الله لنا وأخبرنا أنه من الطيبات التي حرمها الله عليهم عقوبة على عدة جرائم اقترفوها إذ يقول تعالى: {فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرًا وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل وأعتدنا للكافرين منهم عذابًا أليما} . {ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما} أي بالإضافة إلى ما حرمه عليهم من لحومها باعتبارها من ذوات الأظفار والشحم الذي هو جوهر السمن أي المادة الدهنية الملتصقة باللحم والتي لا يكون بها الحيوان سمينًا واللحم لذيذًا {إلا ما حملت ظهورها} أي إلا الشحم الذي يعلق بالظهر ويسمى سنامًا فهذا أحله الله لهم باعتباره منفصلًا عن اللحم {أو الحوايا} أي المباعر والمرابض وهي المصارين والأمعاء {أو ما اختلط بعظم} كالعصعص والرأس والمراد به الإلية وشحم القوائم والرأس والعين والأذن {ذلك} أي حرمانهم من الشحم الشهي المتلصق باللحم دون الرديء {جزيناهم ببغيهم} أي تحريم الطيبات عليهم كان تنكيلًا بهم ولما كان هذا مظنة تكذيب اليهود ختم الله الآية بقوله: {وإنا لصادقون} فيما قصصناه عليك أيها الرسول من تحريمنا عليهم لحوم كل ذي ظفر وشحم البقر والغنم إلا ما استثني وأن هذا كان عقابًا على بغيهم ثم أردف هذا بقوله: {فإن كذبوك} في ما قررناه لك مما حرمناه عليهم ترفعًا منهم عن الإذعان بسيئاتهم التي استحقوا عليها التحريم محتجين بما في سفر الأوبين من أن الله قد أحل لهم من الحيوان ذا الأظلاف المشقوقة الذي يجتر دون غيره كالجمل والوبر والأرنب فإنه نجس لعدم انشقاق ظلفه وإن كان يجتر. والخنزير لأنه لا يجتر وإن كان مشقوق الظلف إلى غير ذلك من الإسرائيليات التي صدقها بعض المفسرين وبنوا عليها تفسيرهم {فقل ربكم ذو رحمة واسعة ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين} أي حقًّا إن رحمة الله واسعة ولكن سعتها لا تقتضي أن يعطل الله دستوره ويرد بأسه ويمنع عقابه عن القوم المجرمين بل قد يكون الجزاء في الدنيا مما يخفف عن المجرم العقوبة في الآخرة ويعد من رحمة الله به وقد يكون من ذلك عبرة وموعظة لغيرهم فيجتنبوا موجباتها من تحريم ما أحل الله فيظفروا بسعادة الدارين جعلنا الله منهم بمنه وكرمه.
بعد أن ألقى الله في هذه السورة بيانًا مفصلًا في العقائد الصحيحة وأشار إلى شبهات المشركين وتكذيبهم للرسل وإنكارهم للبعث ووضح أعمالهم التي هي من مظاهر شركهم من تحريمهم لبعض الحرث والأنعام ونسبة ذلك إلى الله افتراء عليه دون أن يكون لهم أي دليل على ذلك أخذ يشير إلى شبهة من أعظم الشبهات