فقال «فلولا أخذتم مسكها» يعني جلدها قالت يا رسول الله أنأخذ مسك شاة ماتت فقال النبي صلى الله عليه وسلم: « {قل لا أجد في ما أوحي إلي محرمًا على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة} وأنكم لا تطعمونه وإنما تدبغونه حتى تنتفعوا به» فأرسلت إليها فسلختها ثم دبغته واتخذت منه قربة حتى تخرقت عندها.
وعن ابن عباس أيضًا أنه قال: «إنما حرم من الميتة ما يؤكل منها وهو اللحم فأما الجلد والسن والعظم والشعر والصوف فهو حلال» أما اللحم فكما يحرم أكله يحرم بيعه {فمن اضطر} إلى أكل شيء من هذه الأنواع الأربعة لمجاعة أصابته ولم يجد غيرها حال كونه {غير باغ} أي راغب فيه وطالب له {ولا عاد} أي متعد في الأكل قد الضرورة {فإن ربك غفور} لا يؤاخذه بأكل ما يمسك رمقه ويدفع به الهلاك عن نفسه {رحيم} بعباده فلا يؤاخذهم بما هو فوق طاقتهم والضرورات تبيح المحظورات وهنا أراد سبحانه وتعالى أن ينبه رسوله إلى أنه سبق له تعالى أن حرم بعض ما أحله له لقوم معينين تحريمًا عارضًا لسبب خاص فقال {وعلى الذين هادوا} أي اليهود دون غيرهم من أتباع الرسل {حرمنا كل ذي ظفر} أي لحم كل ذي ظفر والظفر من الأصابع معروف ويكون للإنسان وغيره من الطيور والأنعام وجرى المفسرون على أنه يطلق على كل ذي مخلب من الطير وكل ذي حافر من الدواب وعلق الرازي على هذه الآية بقوله بأنها تفيد تخصيص هذه الحرمة باليهود من وجهين «الأول» أن قوله على الذين هادوا حرمنا كذا وكذا يفيد الحصر في اللغة «والثاني» أنه لو كانت هذه الحرمة ثابتة في حق الكل لم يبق لقوله {وعلى الذين هادوا حرمنا} فائدة فثبت أن تحريم السباع وذوي المخلب من الطير مختص باليهود فوجب أن لا تكون محرمة على المسلمين وعلى هذا نقول إن ما رُوِيَ من أنه صلى الله عليه وسلم حرم كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطيور ضعيف لأنه خبر واحد على خلاف كتاب الله فوجب أن لا يكون مقبولًا وهذا يقوي قول مالك في هذه المسألة، وقد عقب على هذا فضيلة الشيخ رشيد رضا بقوله: إن تضعيف الحديث من صحة روايته في الصحيحين وغيرهما إنما هو من جهة المتن وقد قالوا إن من علامة وضع الحديث مخالفته للقرآن وكل ما هو قطعي وهذا إنما يصار إليه إذا تعذر الجمع بين الحديث الظني والقرآن القطعي وقد جمعنا بينهما مجمل النهي على الكراهة في حال الاختيار وهو مذهب مالك أ هـ. والذي أعتقده أنه لا كراهة بالمرة فالموضوع ليس محل مساومة وتوفيق بين رأيين وليس من حقنا أن نزيد في المحرمات عما حصرها الله فيه ومن الخطأ أن نحاول تبرير قول فرد في أمر نص القرآن على أنه خص اليهود بحرمته ونقول