وليسوا وحدهم أصحاب الطباع السليمة ولذلك فمن رأيي أن الضمير عائد إلى كل من الميتة والدم ولحم الخنزير وأن المراد بالرجس لا ينحصر في النجس فقط بل يراد به مطلق القبح أما وجه استقباحه هنا فلأن الله أخبرنا بقبحه لضرر يعلمه الله فيه لا لأن الطباع السليمة تعافه فشأن لحم الخنزير في هذا الحكم كشأن الدابة التي لا تزكى الزكاة الشرعية وتعتبر في نظر المسلمين ميتة قبيحة وهي ليست كذلك عند غيرهم فالعلة إذا هي تقبيح ما حكم الله بقبحه واجتنابه عبادة أما من لم يؤمن بالله لم ينفر من أكل ما قبحه {أو فسقًا أهل لغير الله به} أي أن يكون ذلك الطعام مما هو خارج عن طريق الشرع بأن تقرب بذبحه لغير الله وقد نصت عدة آيات في القرآن على تحريم ما ذكر ووردت هذه الآية بصفة الحصر القطعي فهي نص قطعي في حل ما عدا هذه الأنواع الأربعة وقد أوضحنا في تفسير آية المائدة أن المنخنقة والموقوذة والمتردية وأكيلة السبع اللاتي تموت بذلك. داخلة ضمن الميتة وقد ورد في السنة النهي عن أكل لحم الحمر الأهلية وكل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير الجوارح فذهب الشافعي وأبو حنيفة وأحمد إلى تخصيص الآية بالأحاديث الواردة في هذا الشأن وقالوا إن الحصر في هذه الآية إنما هو بالإضافة إلى ما كان الناس يعتقدون حرمته من البحيرة والسائبة وما إليها وجرى مالك على ظاهر الآية وعمومها وحمل أحاديث النهي عما ذكر على الكراهة وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال «ليس من الدواب شيء حرام إلا ما حرم الله في كتابه» وكانت السيدة عائشة إذا سئلت عن كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير تلت قوله تعالى: {قل لا أجد فيما أوحي إلي محرمًا} الآية وقد ثبت في الصحاح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الضب فقال «لست آكله ولا أحرمه» وفي رواية «لا أحرمه ولكنه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه» وروى أبو الدرداء مرفوعًا {ما أحل الله في كتابه فهو حلال وما حرم فهو حرام وما سكت عنه فهو عفو فاقبلوا من الله. عافيته فإن الله لم يكن لينسى شيئًا وتلا قوله تعالى: وما كان ربك نسيًا} . وروى أبو ثعلبة الخشني عن الدار قطني مرفوعًا: «أن الله فرض فرائض فلا تضيعوها وحد حدودًا فلا تعتدوها وحرم أشياء فلا تنتهكوها وسكت عن أشياء رحمة بكم من غير نسيان فلا تبحثوا عنها» ، وبالرغم من هذا فقد اختلف العلماء في نجاسة وحرمة ما عدى ما يؤكل من هذه الأنواع مع أن قوله تعالى: {على طاعم يطعمه} لا يدل على نجاستها لأن النجاسة ليست مما يطعم ولا على حرمة الانتفاع بغير ما يؤكل منها لما صح عن ابن عباس أن شاة لسودة بنت زمعة ماتت فقالت يا رسول الله ماتت فلانة تعني الشاة