الأعجم الذي ليس لديه شيء من علم {وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله} فما أضروا إلا أنفسهم بحرمانها من نعم الله التي منّ بها عليهم بما زعموا أنه تعالى قد حرمه عليهم {قد ضلوا} بعملهم هذا {وما كانوا} بخطتهم التي ساروا عليها {مهتدين} أي بالذين يريدون الهدى ومن أجل ذلك ضلوا ولو أرادوا الهدى لما خسروا أولادهم ولا حرموا طيب العيش في حياتهم.
بعد أن عدد الله سيئات المشركين التي استحقوا عليها العذاب من جعلهم لله ما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبًا وإشراك غيره معه فيها وحرصهم على أداء حق الشركاء أكثر من حقه جل وعلا وإطاعتهم فيما يزينونه لهم من قتل الأولاد وتحكمهم فيما خلق الله من الحرث والأنعام بالتحليل والتحريم على غير نظام ثابت أو أساس من المصلحة العامة بل هو لمجرد الأهواء مع الجرأة على الله بنسبة ذلك إليه أخذ يثبت حقه تعالى وحده في التحليل والتحريم ويدلل على سخف ما يتمسك به المشركون من الأحكام في أمر الأنعام فقال {وهو الذي أنشأ} أي أوجد من العدم {جنات} أي حدائق وبساتين أنبت فيها أشجارًا مختلفة في قوامها وأشكالها {معروشات} أي منها ما لا يقوم بنفسه بل يتسلق ويتمسك على غيره من العرائش «وهي ما يرتفع من الدعائم ويجعل عليها مثل السقوف من العيدان والقصب» من أنواع العنب وبعض الأزهار كالياسمين {وغير معروشات} أي ومنها ما يقوم بنفسه كسائر الأشجار {والنخل والزرع مختلفًا أكله} بضم الهمزة والكاف وقرئ بسكون الكاف مع ضم الهمزة أي منه ما هو من مأكول الإنسان ومنه ما هو من مأكول غيره من أنواع الحيوانات {والزيتون والرمان متشابهًا وغير متشابه} أي أنشأ الزيتون والرمان كل نوع منهما يشبه بعضه بعضًا في شكله الظاهر وغير متشابه في طعمه فمنه الحلو والمر والحامض وكل هذا من المعجزات الدالة على عظيم قدرة الله {كلوا من ثمره إذا أثمر} أي أنه تعالى الذي أنشأها يأذن لكم بالأكل من ثماره عند ظهوره لا عند نضجه فليس لأحد أن يتحكم فيه بالتحريم لأن التحريم حق للرب الخالق له وللأقوات جميعًا فمن امتثل لتحريم غيره شيئًا منه فقد أشركه معه سبحانه وتعالى والمراد بالتحريم: التحريم الديني فلا يشمل ذلك ما إذا منع الطبيب المريض من تناول بعض الأطعمة التي تضره، ولا منع الحكومة صيد الطيور التي تأكل الحشرات المهلكة لأن هذا ليس تحريمًا ذاتيًا دائمًا بل مؤقتًا لعلة {وآتوا حقه} من جميع ما ذكر {يوم حصاده} بفتح الحاء وقرئ بكسرها جرى الفقهاء على أن المراد بهذا الحق الزكاة وهو خلاف الظاهر لأن الزكاة لا تجب في يوم الحصاد بل بعد الجمع وقد