هي الحرية التي جعلها الله لعباده والسلطة التي منحها لإبليس في غواية الناس هي التي مكنتهم من ذلك {فذرهم وما يفترون} أي فدع أيها الرسول هؤلاء الشركاء المسيطرين على عقول أتباعهم وما يفترونه ويختلقونه من عقائد فاسدة يسممون بها أفكارهم وحسبك أن تنبههم بهذا إلى مواضع الزلل وتشعرهم ببطلان عقائدهم الفاسدة التي توارثوها عن آبائهم ونسبوها إلى الله افتراء عليه {وقالوا هذه أنعام وحرث} أي زرع {حجر} أي محجورة محرمة {لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم} أي يزعمون أن الله قد فوض إليهم أمر التصرف في بعض الأنعام والأقوات مع أن الله قد أحل الطيبات للجميع ولم يجعل لأحد حق التحليل والتحريم فيما أنعم به على عباده {وأنعام حرمت ظهورها} أي أنهم قالوا إن الله قد حرم عليهم ركوب بعض الأنعام كالبحيرة والسائبة مما نفاه الله نفيًا باتًا في سورة المائدة بقوله: {ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون} . {وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها} أي أنه يحق لهم أن يهلوا بها لآلهتهم من دونه {افتراء عليه} أي أن ما قالوه أو فعلوه ما هو إلا محض افتراء اختلقوه اختلاقًا والله بريء منه، وليس من حق إنسان أن يحلل أو يحرم على الناس شيئًا لم يأذن الله به وتلك جريمة من أعظم الجرائم كما قال تعالى في سورة يونس {قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حرامًا وحلالًا قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون} {سيجزيهم بما كانوا يفترون} أي أنه تعالى سيجزي بأشد الجزاء كل من يحلل ويحرم على نفسه أو على غيره تدينا شيئًا لم يأمر به الله سواء أكان ذلك مؤقتًا أم كان دائمًا بيمين أو نذر أو نسك {وقالوا} أيضًا {ما في بطون هذه الأنعام} من اللبن والأجنة {خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا} أي يحل أكله للذكور دون الإناث {وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء} وقرئ «وإن تكن» بالتاء و «ميتة» بالرفع أي أنهم يزعمون أن الله قد أحل للذكور والإناث ميتة ما زعموا أنه حل لذكورهم ومحرم على إناثهم {سيجزيهم وصفهم} أي سيجزيهم الله على وصفهم له تعالى بصفة الحاكم المستبد الذي يصدر في أحكامه على غير مصلحة أو نظام ثابت بل لمجرد الأهواء كما هو الحال في هذه الأحكام التي نسبوها إلى الله {إنه حكيم عليم} لا يمكن أن يصدر منه مثل هذه الأحكام التي لا معنى لها ولا فائدة فيها لأحد {قد خسر الذين قتلوا أولادهم} إذ حرموا أنفسهم بما كانوا يرجونه من ورائهم من بر وصلة وفخر وزينة وسرور وغبطة {سفها بغير علم} نتيجة تأثرهم بتلك العقائد التي سلبتهم عاطفة الرأفة بالبنين وجعلتهم في مصاف الحيوان