الصفحة 792 من 1760

بعد أن بين الله مبلغ رأفته بالمجرمين وما يلوح لهم به من علامات تدلهم على هداية من يريد هدايته وضلال من يستحق إضلاله ليدركوا مبلغ رحمته وليتمتعوا بكامل الخيار وتنقطع لهم كل حجة في طلب الغفران أخذ يوضح ما سيكون من أمرهم يوم القيامة فقال {ويوم يحشرهم} وقرئ «نحشرهم» أي نجمع الخلائق في يوم القيامة {جميعًا} من الإنس والجن فيقال لهم {يا معشر الجن} أي المخلوقات الخفية من العالم غير المنظور {قد استكثرتم من الإنس} أي استملتم الكثير من الإنس إلى الضلال بما كنتم تزينونه لهم من الشكوك والآثام {وقال أولياؤهم من الإنس} الذين تولوهم أي أطاعوهم في وساوسهم {ربنا استمتع بعضنا ببعض} جرى المفسرون على أن المراد استمتع الجن بالإنس والإنس بالجن وهذا غير وارد حيث لا استمتاع بينهما والذي يظهر لي هو أن أولئك الأولياء من الإنس الذين لم يعترفوا بزللهم وانقيادهم للجن إذ هم لم يؤمنوا بوجودهم في حياتهم الدنيا فقالوا هذا القول الذي يشير إلى أن ما حصل منهم ما هو إلا مجرد استمتاع بعض الإنس ببعض أي تبادل المنافع الشخصية المألوفة بين الإنس وفق مقتضى الحياة ولا دخل للجن والشياطين في ذلك {وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا} أي وقد قضينا العمر على هذا إلى حين موتنا ولم نعلم بما حرمت إذ لم نكن نصدق برسلك ولم نؤمن برسلك فاستمتعنا بأنواع الاستمتاع عن جهل وعدم قصد فلم يقبل الله هذا العذر و {قال} لهم {النار مثواكم} أي محل إقامتكم جزاء على عدم تصديقكم بالكتب وعدم إيمانكم بالرسل وما سجلتموه على أنفسكم من استمتاع غير مشروع {خالدين فيها} أي مقيمين في النار إقامة مستقرة غير مؤقتة {إلا ما شاء الله} تعالى مما يخالف ذلك فكل شيء بمشيئته أي أن هذا الجزاء وتعيين وقت الخروج من النار يقع باختياره تعالى فإن شاء رفعه كله أو بعضه عنكم أو عن بعضكم فعل لأن مشيئته نافذة في كل شيء قال صلى الله عليه وسلم: «متى شاء الله أن يخرج أناسًا من الذين سقوا من النار فيدخلهم الجنة فعل» وقد ثبت في الصحيحين من حديث الشفاعة أن الله تعالى بعد أن يخرج من النار من يشاء بشفاعة الشافعين يقول: «اخرجوا من وجدتم في قلبه مقدار مثقال ذرة من خير فيخرجون خلقًا كثيرًا ثم يقولون ربنا لم نذر فيها خيرًا فيقول الله عز وجل شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قومًا لم يعملوا خيرًا قط وقد عادوا صمًّا فيلقيهم في نهر في أفواه الجنة يقال له نهر الحياة فيخرجون كما تخرج الحبة من حميل السبيل فيقول أهل الجنة هؤلاء عتقاء الله الذين أدخلهم الجنة بغير عمل عملوه ولا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت