بأسرارها أحد سواه وفقًا لما جاء في القرآن على لسان عيسى عليه السلام قوله {تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب} وتنقسم في ظاهرها إلى قسمين إرادة كونية نظامية ثابتة وهي التي سبقت مشيئته تعالى بخلق جميع الكائنات وما سن لها من نظام تسير عليها ويؤاخذ الله الناس بمقتضاها وهذه تشمل ما يحبه تعالى وما يغضبه من عمل فصله لهم وأرشدهم إلى سبله وطريق الوصول إليه في كتبه وعن طريق رسله وقد أشار إليه بقوله: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} وقوله {والله لا يحب الفساد} وقوله {ولا يرضى لعباده الكفر} وقوله {وما الله يريد ظلمًا للعالمين} وإرادة أمرية تنفيذية وهي إنما تتعلق بتطبيق نظام المشيئة على الناس ورحمة من يستحق الرحمة منهم وفق ما أخبرنا به الرسول بقوله «من وعده الله على عمل ثوابًا فهو منجزه ومن أوعده على عمل عقابًا فهو فيه بالخيار» كما بين الله ذلك لموسى عليه السلام بقوله: {قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون} أي أن العذاب لا يكون إلا وفق دستور المشيئة الذي أعلنه الله لعباده وصرح به في قوله {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزي إلا مثلها وهم لا يظلمون} وأما الرحمة فإنها غير مقيدة وقد وعد الله بها من ذكر وقد أشار الله إلى هذه الإرادة الأمرية التنفيذية بقوله: {إنما قولنا لشيء إذ أردناه أن نقول له كن فيكون} أي متى أردنا إنفاذ مقتضى القدر أو الرحمة نأمر به فينفذ، وكان من عظيم فضل الله أن سن سبحانه وتعالى لهذه الإرادة دستورًا فصله في هذه الآية ليعلم به الجميع بقوله: {فمن يرد الله أن يهديه} بعد الضلال من أولئك الذين سبق ذكرهم من المجرمين الذين ضلوا وتوعدهم الله بالعذاب فإنه لا يكله الله إلى نفسه بل يتغمده برحمته {ويشرح صدره للإسلام} بمعنى يحبب إليه تدبر كلام الله الذي هو سبيل الهداية إذ يقول تعالى عنه إنه {يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل الإسلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور} فيسلم ويكون من الناجين من عذابه بحسب دستور الله ووعده بالرحمة سئل رسول الله عن معنى هذا الشرح فقال «نور يقذف في القلب قالوا فهل لذلك من علامة قال نعم هي الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل الموت» {ومن يريد أن يضله} لقد استنتج بعض الفقهاء من هذا أن من حقه تعالى أن يضل من يريد ضلاله من المهتدين أي يجعل له الضلال غريزة وطبعًا أو يلجئه إليه إلجاء ويكرهه عليه إكراهًا فيكون إعراضه عن الحق والخير وإقباله على الباطل والشر كحركة الدم في الجسد وعمل المعدة في الهضم وهذا