الصفحة 789 من 1760

وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق"وهنا توعد الله المجرمين الماكرين الذين قضت سنته أن يكونوا أكابر وزعماء في كل قرية استفحل فيها الفساد بقوله: {سيصيب الذين أجرموا صغار} أي ذل وهو أن جزاء الكبر والطغيان {عند الله} أي في الحقيقة وواقع الأمر وإن كانوا في نظر الناس عظماء لأن عظمتهم لم تقم على أساس مستمد من تأييد الله بل على المكر والخداع والفساد الذي لا يلبث أن ينهار {وعذاب شديد بما كانوا يمكرون} أي جزاء مكرهم وسوء سياستهم وقد ظهر لنا أثر هذا الصغار أو العذاب اللذين توعد الله بهما المجرمين في أذناب الاستعمار من الملوك المزيفين والوزراء المأجورين الذين قبلوا أن يكونوا أداة في أيدي المستعمرين ينفذون سياستهم ويحققون مآربهم لقاء ما منحوه لهم من مراكز عالية وألقاب ضخمة أكسبتهم ذلًّا وصغارًا في نظر المجتمع ولم تغنهم من عذاب الله شيئًا بل نالوا جزاءهم على أيدي أبناء الشعب في الدنيا قبل الآخرة فقد قضت سنة الله في الخلق أن يمهل الظالم ولا يهمله حتى إذا أخذه لم يفلته {وما ربك بظلام للعبيد} ."

بعد أن بين الله حقيقة الضلال وكيف يجلبه الإنسان لنفسه تمشيًا مع سننه في خلقه وما يبدو من أقوال المجرمين وإصرارهم على الكفر والضلال أخذ يفصل موقفه جل جلاله حيالهم فأكد أنه لن يعاجلهم بالعذاب حتى يشعرهم بما هم عليه من هدى أو ضلال بما سنه من سنن في معاملتهم لا تخفى عليهم ليتنبهوا ويعرفوا إن كانوا على هدى فيحمدوا الله أم على ضلال فيرجعوا إلي عن ضلالهم فقال {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجًا كأنما يصعد في السماء} لقد اتخذ المفسرون من هذا دليلًا على أن الهدى والضلال كلاهما عائدان إلى ما يقضي به الله على الإنسان من أول عهده بالحياة بمحض الإرادة أي الرغبة المتعلقة بذات الله منذ الأزل الأمر الذي سبب زلل الكثير من الناس الذين قالوا إذا كان الهادي والمضل هو الله ولا قدرة للعبد على الوقوف أمام إرادته تعالى فلا بد أن يكون الناس مسيرين لا مخيرين وليس من العدل حسابهم وعقابهم وحاول المفسرون أن يحلوا هذا الإشكال بمختلف التأويلات عند تفسيرهم لهذه الآية وما شابههما من الآيات فلم يوفقوا لإقناع النفوس المتحيرة خصوصًا في عصر هذا وكان مما فتح الله به علي في هذا الباب هو أن الإرادة غير المشيئة وهي بمعنى الرغبة المضمرة الخفية في النفس يقال أراد الشيء إذا عزم عليه أو عني به قبل أن ينفذه ومتى تجاوزت ذلك إلى حد التعبير عنها بالقول كانت طلبًا وأمرًا أو إلى حد التنفيذ بالفعل كانت مشيئة وعلى هذا فإن إرادة الله الحقيقية سر من أسراره الخفية التي لا يعلم بها ولا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت