الصفحة 788 من 1760

الخلق أن يكون المجرمون في كل قرية هم أكابرها أي زعماؤها وقادتها ذلك لأن معنى المجرم مرتكب الإجرام وهو ما فيه الفساد والضرر من الأعمال ومن يقاوم دعوة الإصلاح ويعادي المصلحين من الرسل ومن يدعو بدعوتهم إلى يوم الدين وهؤلاء من شأنهم أن يخيفوا الناس ويسيطروا على الغوغاء ويتزعموهم {ليمكروا فيها} أي ليستعملوا المكر والخداع في سياستهم لتآلف الشعب وإرضاء ميوله وملذاته حتى يستتب لهم الأمر بما يشرعونه من نظم دستورية تخالف ما أنزل الله {وما يمكرون} في الواقع {إلا بأنفسهم} إذ هم بما يسنون من نظم ودساتير وضعية عرفية تخالف ما أنزل الله وتثبت أقدامهم في الحكم إنما يحاربون الله ورسوله ويرتكبون من الإثم ما لا قبل لهم على تحمل عذابه كما إنهم ليقودون الشعب إلى مهاوي الفساد والضلال مما يؤدي إلى سخط الله وعظيم نقمه في الدنيا والآخرة {وما يشعرون} هم بهذه الحقيقة من سنن الله الاجتماعية التي سنها الله لعباده والتي يقضي بأن الأغنياء المترفين إذا نالوا الحكم والسلطان طغوا وأكثروا الفساد فيتبعهم العامة حتى يعم الفساد وعندئذ يحل بهم الدمار كما أخبرنا الله بهذا في قوله {وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرًا} .

بعد أن بين الله حقيقة الضلال وكيف يجلبه الإنسان لنفسه تمشيًا مع سنن الله في الخلق التي تقتضي باعتداد كل ذي رأي برأيه وعلو شأنه المجرمين في كل قرية أكد ذلك بما يبدو من أقوالهم وإصرارهم على الكفر والضلال فقال {وإذا جاءتهم آية} كالزلازل والصواعق وما شابهها من القوى المفاجئة التي تخيفهم وتدل على وجود الله وعظيم قدرته {قالوا لن نؤمن} بدلالتها على وجود الله وعظيم قدرته {حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله} أي حتى يوحي إلينا كما أوحي إلى الرسل وعندئذ نسلم بأنها معجزة تدل على قدرة الله وإلا فإنا لا نؤمن إلا بأنها مجرد ظواهر طبيعية وسنن كونية مطردة فكأنهم بهذا يشترطون لإيمانهم أن يكونوا رسلًا من عند الله ولذا أجاب عليهم سبحانه بقوله: {الله أعلم حيث يجعل رسالته} بالإفراد وقرئ «رسالاته» بصيغة الجمع أي أن الله تعالى أعلم بمن يصلح للرسالة عنه فلا سبيل إلى إيتائها لكم وأنتم على ما أنتم عليه من كفر وضلال ومكر وخداع وقد كان أذكياء العرب في الجاهلية على شركهم ينزهون رسل الله عنها ويعتقدون أن الله دائمًا مع فاعل الخير حيث قالت السيدة خديجة بنت خويلد أم المؤمنين للرسول صلى الله عليه وسلم عندما شكا لها فزعه مما رآه في بدء الوحي «والله لا يخزيك الله أبدًا إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتحمل الكلّ وتكسب المعدوم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت