وحقيقة التوحيد وقد زعم بعض المتعصبين أن ما يذبح عند قدوم السلطان أو دفن الميت يعتبر في حكم ما أهل لغير الله والتحقيق في هذا المقام أن كل ما يذبح بباعث ديني فهو عبادة والعبادة لا تكون إلا لله فلا يذكر غير اسمه عليه، وما كان لأجل التكريم والمبالغة في الضيافة فلا يدخل في هذا الباب إذ يقال عند الذبح باسم السلطان ولو فرض أن قيل هذا فعند ذلك يحرم كذلك ما يذبح عند الدفن إنما يراد به التصدق بالذبيحة تقربًا عن الميت إلى الله لا تقربًا إلى الميت بالبداهة والله أعلم.
بعد أن أخبر الله رسوله بأن أكثر من في الأرض يضلون الناس بأهوائهم بغير علم وأن الشياطين يوحون إلى أوليائهم أخذ يوضح حقيقة أمر كان ولا يزال موضع زلل الكثير من الناس بسبب ما توحي به الشياطين إلى أوليائهم إذ يقولون ما معناه «ما دام الله هو الذي شاء لنا الضلال فكيف يعذبنا عليه، ولو شاء الله لاهتدينا، ولا يعقل أن يضل الإنسان نفسه أو يعارض حكم ربه» فأتى سبحانه وتعالى بمثال مبسط يدحض هذه المزاعم ولا يدع مجالًا للشك في أن الضلال هو من عمل الإنسان ومحض إرادته فقال {أو من كان ميتًا} بسكون الياء وقرئ بتشديدها أي مخلوقًا لا حس له ولا شعور {فأحييناه} أي فوهبنا له قوة الروح التي اكسبته الحركة والنمو {وجعلنا له نورًا} أي أعددنا له جهازًا مضيئًا قدمناه إليه وهو القرآن وتركنا له كامل الخيار في استعماله والاهتداء بهديه فصار {يمشي به في الناس} سالكًا الطريق السوي الموصل إلى سعادة الدارين هل يكون مثله {كمن مثله} أي كمن كان مشابهًا له فيما ناله من حياة ونور ترك له الخيار في استعماله والمشي به في الناس فلم يفعل كسلًا أو استكبارًا حتى جلب لنفسه الضلال دون أن يقضي الله به عليه إذ رضي بمحض اختياره أن يظل {في الظلمات} أي ظلمات الأهواء التي هيأ الله له النور للخروج منها فلم يقبل واستمر في الغواية {ليس بخارج منها} لأنه لم يحاول ذلك بجهده واستضاءته بما أوتي من نور {كذلك} أي على مقتضى هذا المثال الذي يصور موقف الإنسان السلبي إزاء نعم الله الإيجابية ومسؤوليته عن تصرفاته الشخصية وتخبطه في ظلمة أهوائه العدوانية اقتضت سنته تعالى في خلقه أن يعجب كل ذي رأي برأيه ولا يشعر بخطئه وبذا {زين للكافرين} بالله المعرضين عن الاستضاءة بنور القرآن وراق لهم {ما كانوا يعملون} من الآثام كاتباع الشهوات والأخذ بالشبهات وذبح القرابين لغير الله ودعاء غيره في الملمات {وكذلك} أي وعلى ذلك الأساس أيضًا {جعلنا في كل قرية} ويطلق على الضيعة والمصر الجامع للناس {أكابر مجرميها} أي اقتضت مشيئته تعالى أو سننه في