الصفحة 786 من 1760

ويناظرون في تحليلها بأدلة يتراءى لهم صحتها كما هو شأن كثير من منتحلي العلم الذين لا يرون النذر والذبح لغير الله عبادة ويزعم أن العبادة التي يتوجه بها إلى غير الله باعتباره واسطة أو وسيلة إليه لا تعد شركًا به، مع أن هذا هو الشرك بعينه إن لم نقل إنه عبادة لهم من دون الله وقد صدق على أمثال هؤلاء قوله تعالى: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} . {إن ربك هو أعلم بالمعتدين} أي المتجاوزين حدود ما شرعه الله لعباده من الحلال والحرام فسوف يحاسبهم على هذا حسابًا عسيرًا قال الرازي «دلت هذه الآية على أن القول في الذين بمجرد التقليد قول بمحض الهوى والشهوة وهذه الآية قد دلت على أن ذلك حرام» . {وذروا ظاهر الإثم} أي اجتنبوا ما كان إثمًا في ظاهره فلا تقدموا على فعله اعتمادًا على ذكر اسم الله أو نية حسنة تضمرونها كأن تذبحوا على النصب ما تقصدون به وجه الله {وباطنه} أي اجتنبوا أيضًا ما كان إثمًا في باطنه دون ظاهره كأن تذبحوا يوم الأضحية لغير الله {إن الذين يكسبون الإثم} أي يأتون جنس الإثم الظاهر منه والباطن {سيجزون بما كانوا يقترفون} أي سيلاقون جزاء إثمهم بقدر ما يبالغون فيه ويبصرون عليه، أما الذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون فقد قطع الله لهم على ذاته العلية عهدًا لن يخلفه وهو أنه سيتوب عليهم ويمحو أثر الإثم بصالح العمل بقوله: {إن الحسنات يذهبن السيئات} . {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه} أي من الذبائح عند تزكيته {وإنه لفسق} أي الحال أن الذي لم يذكر اسم الله عليه فسق وهو الخروج عن طريق الحق وقد وضح الله المراد منه في آية أخرى بقوله: {أو فسق أهل لغير الله به} فالمحرم إذًا ليس هو كل ما لم يذكر اسم الله عليه من مطلق الأطعمة بل من القرابين التي أهلت لغير الله وبدليل تقيد النهي بالجملة الحالية، وهنا أراد الله جل جلاله أن ينبه عباده إلى ما يخرجهم عن طريق الهدى فأخبرهم بما يدبره الشياطين من مكايد لإضلالهم في هذا الباب ليكونوا على بينة من أمرهم فقال {وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم} بزخرف القول ومختلف الشبهات {ليجادلوكم} في هذه المسألة على الخصوص بما يزلزل عقيدتكم كما يزعمه بعض العلماء المضلين في عصرنا هذا من أن الذبح لغير الله لا يعتبر عبادة وأن دعاء غير الله ليس عبادة مع أن كلاهما من صميم العبادة لأنه يدل على الاعتقاد بأن المتقرب إليه بالذبح أو الدعاء يملك مع الله شيئًا من النفع والضر {وإن أطعتموهم} بأن انطلت عليكم خدعتهم وصدقتم أقوالهم وأكلتم مما أهل لغير الله {إنكم لمشركون} إذ تستمدون الأحكام من غير ما أنزل الله وتأتون بما يتنافى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت